ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي في آب 1954 شكّل نـوري السعيد وزارته الثانية عشــرة مع تـعليـق البـرلمـان

عدد المشاهدات   585
تاريخ النشر       12/02/2019 08:55 PM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحم

 


في السابع والعشرين من حزيران 1954، أُرجئ عمل البرلمان، وفي الثالث من آب شكلَ نوري وزارته الثانية عشرة. ومع تعليق البرلمان، بدأ نوري قمعاً منظماً لكل الأنشطة السياسية تجاوز أي قمع سابق وهكذا بدأت حقبة جديدة في العراق. فسلسلة من القرارات الرامية إلى استئصال اليسار سمحت لمجلس الوزراء بإبعاد المدانين بالشيوعية، والفوضى، والعمل لصالح حكومة أجنبية، وتجريدهم من الجنسية العراقية. وأصبح الانضمام إلى أنصار السلام، والشباب الديمقراطي، وما شابه من التنظيمات يمثل إساءة قانونية وحُظر على الجمعيات المهنية القيام بأنشطة تتعارض والأمن العام.. وخُولت الشرطة بمنع أي اجتماعات تعكر صفو النظام العام، وقد توقفت اجتماعات الشارع الليلية. وبلغ الأمر ذروته عندما أقدمت الوزارة على قطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي. وفي أيلول 1954، نجم عن انتخاب جديد ما سمّي "بالبرلمان غير المعارض" وكانت السيطرة جد محكمة بحيث احتفظ (100) نائب في البرلمان بمواقعهم من دون معارضة، في حين اقتصر التنافس على (22) مقعدا. وبعد إتمام الانتخابات، لم يضم المجلس أية معارضة حقيقية على الإطلاق. إن هذه القرارات والانتخابات وضعت فعلياً نهاية لأي نشاط سياسي علني للسنوات الأربع القادمة، الأمر الذي أوجد استقراراً في العراق بفعل نظام حكم اعتمد على الشرطة والجيش. وما من شك أن هذا القمع أنتج استقراراً يكفي لتهيئة الوضع لإبرام حلف بغداد ومن ثم الخروج بسلام من أزمة السويس. لكن لهذه السياسة عواقب مشؤومة، فقد وضعت سلطة مطلقة تقريباً بيد رجل كان غير قادر على نحوٍ متزايد على التوصل إلى تفاهم مع القوى الجديدة التي كانت على وشك أن تهز العالم العربي. وقد أزالت هذه السياسة التحديات التي تواجه نوري ضمن المؤسسة الحاكمة التي لربما كانت ستجعله يعدل عن سياساته. أما المعارضة، المحرومة من أي أمل بالتغيير، فقد أُزيحت من البرلمان، لذا بات من المحتوم أن تكون أكثر ثورية.

حلف بغداد
بات الطريق سالكاً الآن أمام نوري للبدء بمفاوضات بشأن ترتيب دفاعي جديد، بيد أن طريقاً شائكاً بانتظاره فقد كان عليه أن يتعامل مع الحساسيات الخارجية – لا سيما المصرية. وفي الوقت الذي بدأ فيه نوري مهمته، كان الوضع الدفاعي للشرق الأوسط وعلاقاته مع الغرب لا يزالان بحالة سيئة. فالغرب، لا سيما الولايات المتحدة، كان تواقاً إلى ربط الشرق الأوسط بنظام دفاعه المشترك. وبالنسبة للعديد في الشرق الأوسط، فإن لهذه المنظومة أثراً في إحياء الاستعمار. ومع أن المنطقة لم تنقسم بعد إلى كتل مؤيدة للغرب وأخرى معادية له، فإن المعارضة للتحالفات مع الغرب كانت تتنامى. فالجيل العربي الشاب أراد استقلالاً كاملاً عن الغرب ووحدة عربية تتجاوز التقسيمات الإقليمية التي فُرضت خلال الحرب العالمية الأولى. أدرك الساسة القدامى، الممسكون بالسلطة في معظم الدول، الضعف المتأصل لدولهم والحاجة إلى نوعٍ ما من الدعم من الخارج. وانصبت المسألة في كيفية توفير القوة الضرورية وإرضاء الرغبة الشعبية بالاستقلال. كانت أمام نوري احتمالات عدة لحل مشكلة الدفاع. تمثل أحد هذه الاحتمالات في توسيع قاعدة النظام الأمني في العراق. ليشمل دول الجامعة العربية بقيادة دفاعية مشتركة. فهذا الأمر سينظم الدفاع عن العراق جماعياً، لكن نوري بوصفه واقعياً لم تكن لديه النية بالاعتماد على ترتيبات الأمن الجماعي العربي حصراً؛ فقد أراد مساعدة من الغرب. وتمثل الاحتمال الآخر بالانضمام إلى دول الرابطة الشمالية –تركيا، وإيران، وباكستان- في ترتيب دفاعي جماعي بدأ بالتبلور بتوجيه من وزير الخارجية الأمريكي دالاس. اعتمد هذا الترتيب الدفاعي على اتفاقيات ثنائية فضفاضة بالإمكان أن تضم لاحقاً دول أخرى، بضمنها الدول العربية. كان نوري يميل إلى صيغة هذه الترتيبات، لكن ثمة العديد من العوائق. فتحالف العراق مع تركيا وإيران (الذي يشبه كثيراً حلف سعد أباد 1937) كان ارتباطاً لطالما عارضه القوميون العرب في العراق. وزيادة على ذلك، فإن علاقات العراق مع بريطانيا كان ينبغي أن تكون حجر أساس لأية اتفاقية جديدة، ولم تكن بريطانيا في بادئ الأمر تفضل سياسة الرابطة الشمالية. فقد آثر البريطانيون ترك أمر هذا التنظيم إلى الولايات المتحدة، لخشيتها من تعرض موقعها في العالم العربي إلى الخطر. مثلت مصر المشكلة الأخطر. وحتى بعد سنتين من تسلمه السلطة، كان موقف عبد الناصر الداخلي غير مستقر. وبسبب القوى المعارضة لبريطانيا في مصر، شعر عبد الناصر بالحاجة إلى إبعاد نفسه عن التحالفات الغربية. وفي الواقع كان عبد الناصر منشغلاً في عملية تفاوض لإبرام معاهدة جديدة مع بريطانيا تنص على انسحاب القوات البريطانية من السويس. ومع ذلك، فقد طالب البريطانيون بفقرة تنص على حقهم باستخدام قناة السويس عند حصول هجوم على مصر، أو أية دولة عربية أخرى، أو تركيا. استاء المصريون، لا سيما الإخوان المسلمين المعادين للغرب، من انضمام عضو الناتو تركيا؛ فقد أرادوا فصم عرى الروابط بالمرة مع القوى الاستعمارية السابقة. ولإدراكه للحاجة إلى التشاور مع عبد الناصر، زار نوري القاهرة في الرابع عشر من أيلول لمناقشة الأمور معه. وما من ثمة تقرير منشور عن المناقشات، لكن طبقاً لأحد الحضور، كان نوري يتكلم كثيراً ويصغي قليلاً. فقد أوجز إمكانيات التوصل إلى اتفاقية ما مع تركيا ودول الرابطة الشمالية، لتنظم لها فيما بعد بريطانيا. أما عبد الناصر، الذي لا تزال مسألة إبرام معاهدة مع بريطانيا أمراً غير مبتوت فيه بالنسبة له ومع تزايد صعوبة الوضع الداخلي، طلب من نوري التريث. لقد آثر عبد الناصر بوضوح تجنب الارتباط مع دول الرابطة الشمالية والاعتماد بدلاً من ذلك على استراتيجية دفاعية تعتمد حصراً على أمن دفاعي عربي. تذرع نوري بوضع العراق الخاص، وحدوده مع تركيا وإيران وقربه من الاتحاد السوفييتي. وقد أخبر عبد الناصر بوضوح أنه يعتقد أن أي أمن جماعي عربي من دون الغرب سيُعد أمراً متعذر الدفاع عنه. أخبر عبد الناصر، في النهاية، نوري السعيد بأن له الحرية ليفعل ما يراه صحيحاً. ولم يكن واضحاً ما كان عبد الناصر يعنيه بهذا الكلام، إذ أنه ادعى لاحقاً أن الاتفاقية العراقية - التركية للسنة القادمة أخذته على حين غرة. وعلى أية حال، شعر نوري بأنه كان مخطئاً في انطباعه بأنه ضَمِنَ موافقة عبد الناصر للتوصل إلى معاهدة تحالف مع بريطانيا ودول الرابطة الشمالية. وظنَّ أن موضع الخلاف يكمن في التوقيت فقط. وفي تشرين الأول، وقع عبد الناصر اتفاقية جديدة مع بريطانيا؛ وبعد أسبوع واحد حاول الإخوان المسلمون اغتياله. وفي غضون ذلك، واصل نوري اتصالاته مع البريطانيين، المهتمين بتجديد معاهدتهم، ومع الأتراك، المعنيين بملئ الفراغ الإقليمي في تحالفهم. وفي الثاني من نيسان 1954، كانت تركيا قد وقعت معاهدة مع باكستان، ويُعتقد أن الأمريكان، المتلهفين لانضمام بغداد، حثوا عدنان مندرس رئيس وزراء تركيا على إبرامها. وفي كانون الثاني 1956، وخلال زيارة لمندرس إلى بغداد، عبر نوري عن حذره، مشيراً إلى أنه لم يكن يرغب بالتسرع في إبرام اتفاق مع دول الرابطة الشمالية حتى يهيئ السبيل لذلك مع الدول العربية ومع الغرب. وكان قلقاً حيال تأثير هذا التوقيت على مصر، وأخبر مندرس أنه يفضل قيام الأتراك بإجراء مباحثات مع مصر أولاً قبل التوصل إلى اتفاق. وفي الواقع، كان مندرس راغباً بالذهاب إلى مصر، لكن عبد الناصر لم يكن يرغب بذلك لأسباب داخلية..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com