شخصيات

 

رائد القصة العراقية عبد الملك نوري

عدد المشاهدات   405
تاريخ النشر       01/03/2019 11:26 PM



ولدَ عبد الملك نوري في مدينة السويس بمصر عندما كان والده في رحلة خارج العراق واكمل دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت حيث اجاد اللغة الإنكليزية وعاد الى بغداد ودخل كلية الحقوق وتخرج عام 1944. واشتغل في المحاماة فترة من الزمن واوخر الاربعينيات انتظم في السلك الدبلوماسي وكان قائما بأعمال السفارة العراقية في جاكارتا وبعدها في طوكيو وبراغ ونشر انذاك العديد من القصص القصيرة في الصحف والمجلات العراقية قبل ان تفوز قصته (فطومة) بجائزة مجلة الاديب اللبنانية عام 1948. وكانت اول مجموعة قصصية هي (رسل الانسانية) عام 1946 و(نشيد الارض) عام 1954 وله مسرحية من تأليفه بعنوان (خشب ومخمل) عام 1972، تناولت مجموعة عبد الملك نوري الرائدة (نشيد الارض) نقد الضعف الذي تسببه الظروف غير الاصلية. كان اشخاصها غير راضين عن حياتهم، غير مناسبين. يعرفون المسافة الحساسة بين رغباتهم وبين تحققها الفاشل. لا يمكن النقاش عن مصائرهم التي لا تقبل الاستئناف، فهي مخططة اجتماعياً ونفسياً ويلزمهم الحل من خارجهم: طفل ينذر طفولته للرجولة، ريفي تثيره المدينة وتصطاده، رجل يحكم المبغى حياته الجنسية، نادلة مقهى متهيبة من انوثتها، مدمن خمرة يجمع اسباب ادمانه بولع، رجل متعطل اجتماعياً يحفر ثغرات جديدة في عطالته.. ضحايا ضعفاء يقيس بهم النظام قوته.. تجتمع في شخصية عبد الملك نوري اوصاف النموذج الثقافي، مثلما يمثل عينة ادبية التقى فيها ضدان سياسيان ليشكلا خطوط الشذوذ والاستواء والتقاطع في حالة العراق الادبي. هو ابن وزير من الضباط الشريفيين الذين شاركوا في تأسيس الدولة العراقية. ولكنه بدأ حياته الادبية والسياسية ماركسياً مواجهاً ومتحدياً العوائل والنخب التي خرج من بين صفوفها واكتسب العلم والمعرفة بين احضانها. تلك المفارقة شكلت، كما نتخيل، سبباً مهماً في محددات سيرة عبد الملك نوري الابداعية بين تألقه الادبي السريع وانتكاسته وانطفاء وهج ابداعه في وقت مبكر. وهي حالة لا تخصه وحده، بل هي احد اسباب الاشكالات السيكولوجية والاجتماعية والابداعية لمجموعة من الادباء والفنانين العراقيين ابان الاربعينات والخمسينات. فخلف خطوط التقاطع بين ثقافة النخبة وثقافة الشعب، كانت تكمن عوامل الشد والتوتر في شخص الاديب او الفنان وتتبين من خلالها شيزوفرينيا ثقافية كانت من اهم اسباب تعرج مسار الثقافة العراقية في صعود وانتكاس، بين فورات ابداعية من جهة وعجز وخيبات من جهة اخرى. وعبد الملك نوري كان كاتبا مقلا في مجال الكتابة والنشر ولكنه ريادي متميز في نحت القصة القصيرة خلال الخمسينيات مع كبار كتاب القصة امثال جعفر الخليلي وذنون ايوب وفؤاد التكرلي.. اضافة الى انه كان كاتبا اجتماعيا فقد اعتنى بكتاباته بالجانب السايكولوجي.. وهذا يدل على قلقه المستمر ازاء حياته المعقدة. له كتاب مهم جدا اسمه (قصائد ومقالات) فيه وعي ثقافي متجل ودراسات نقدية راقية، اثارت في حينها الكثير من الضجيج في القضايا الفكرية والادبية تحدث عن هموم الماركسية وحزب الشعب اضافة الى عمله كمحام انساني لا يرد احدا يطلب مساعدته.. كان مناضلا يوميا حتى اعتكف في داره مع اخته بعد سلسلة من القضايا والمماحكات السياسية التي تعرض لها.. عبد الملك نوري شخصية مغايرة ومختلفة بين الادباء. اثبت بانه الرائد الحقيقي للقصة القصيرة. تحدث الروائي حسين الجاف حيث قال: في عام 1949 ذهبت لزيارة عبد الملك نوري مع الشاعر الكردي عبد الرزاق بريماني فقلت مع نفسي كيف لهذا المبدع ان يكتب وهو يعيش حياة مترفة وميسورة.. والذي لا يعرفه الادباء عن ابداعاته كان محبا للانسانية فكان يعد برنامج اذاعي اسمه (الارض الطيبة) فكان حقا اديبا ومثقفا وانسانا وكان احد سراق النار من جيل الخمسينيات فهو سليل عائلة برجوازية محبا للعزلة مقلا للكلام اضافة الى وضوح أناقته، فهو فنان كان يعزف ويرسم وينحت ويغني فكانت اجمل ثلاث ساعات عشتها بصحبة عبد الملك نوري.. يستعرض الاستاذ عادل كامل لقائه مع الروائي عبد الملك نوري حيث يقول: كان لدينا ـ أنا وميسلون هادي ـ حذرنا ونحن نذهب، بلا موعد، إلى عبد الملك نوري! كنا نعتقد ـ كما قيل لنا للأسف ـ ان الرجل لن يستقبلنا، وإذا استقبلنا فلن يتكلم.. على ان هذه التصورات لم تكن إلا وهماً مؤلماً لا نعرف كيف تكون وغدا مثل الحقيقة.. لقد استقبلنا بابتسامة مشجعة، مرحباً بنا كأنه يعرفنا منذ زمن، وكانت كلمته الرقيقة تفصح عن محبة رفيعة المستوى، ومتحررة من الهواجس، بل وتعرب عن صداقة عميقة.. كان ذلك في اللقاء الأول، وفي اللقاء الثاني، تكلم بحرية وعندما دار الحوار عن لقاء كانت أجرته معه رشيدة التركي، ذلك اللقاء الوجيز الذي لم يتكلم فيه إلا قليلاً ـ نشر في آفاق عربية.. قال، انه لا يعرف لماذا يتكلم الآن.. بل حتى ان شقيقته استغربت من الأمر. ولكنها همست لنا «انه أحبكما كثيراً..» وعلى كل قال في آخر هذا اللقاء، مبتسماً «آمنا بالقضاء والقدر» قالها مازحاً بالتأكيد.. والحال أني لم أفكر بإجراء حوار مطول، على الرغم من استعداده لذلك وقد جاء الحوار عفوياً، آمل ان نستكمله في حوار آخر، بعد ان وعدنا بذلك:

* قصة (ريح الجنوب) لماذا تترجم دائماً.. دون سواها؟
ربما لأنها تمتلك طابعاً شرقياً، أو محلياً على وجه الدقة، اعتقد ان قصة «غثيان» أفضل فنياً، ان لم اقل أفضل قصصي، لكنهم يصرون على ترجمة «ريح الجنوب» لأن الأجانب يبحثون عن الأشياء المحلية، ولكني أتساءل: ترى لماذا لا يترجمون «الولد الصغير» وهي قصة، في نظري، جيدة؟ الغريب ان الناشرين لا يستشيرون الكاتب عند اختيار نص له، وخاصة على صعيد المختارات، واعتقد من الأفضل استشارته مع مراعاة حقوقه! ثم ان الناشر يستطيع الاتصال بالكاتب، حول اختيار القصة، لأن هذا التقليد نوع من التحضر، وضرب من التقاليد السليمة المعمول بها في العالم.

* كيف أو ما الذي جعلك تكتب قصة (ذيول الخريف)؟
استوحيت هذه القصة من الخبازات اللائي كنت اذهب إليهن، فانا أحب رائحة الخبز، كم هي طيبة، وهي تخرج من التنور.. لقد كنت أقف عندهن، وكن يقدمن لي رغيفاً حاراً وهن يرحبن بي، وان رائحة الخبز الحار ما زالت تأتي إلى هنا حتى الآن.. خصوصاً في الخريف.

* ماذا عن قصة (صديقتان)؟
كتبت هذه القصة بفعل فيضان بغداد في الخمسينات.. كان ثمة فضاء.. ومياه.. وفقراء.. وكانت هناك بقرة وحيدة.. تخيلت أنهم ابعدوا عنها صديقتها.. باعوها.. وكان موضوع العزلة هو الذي دفعني إلى كتابتها.

* من قصصك الأخيرة (معاناة) ماذا عنها؟
لم أضع اسماً لهذه القصة.. وقد كانت عند فؤاد التكرلي.. وعندما سألني عن اسمها.. قلت له: «معاناة» وهي في الواقع محاولة جديدة لديّ.. حيث كنت اصف حياتي أثناء الكتابة. وراح يحدثنا عن حياته: عبد الملك نوري يستيقظ في الفجر، يعمل في الحديقة بمعدل ست ساعات، ويستمع إلى الموسيقى.. بعدها راح يحدثني عن القصة: لا تعجبني التفاصيل، على الفنان ان يأخذ اللب، إلا الذي يفكر بكتابة كتب كبيرة، وأنا أفضل ذلك: ثم أنني لم اكتب رواية. القصة القصيرة أصعب من الرواية ومن الأعمال الطويلة، لأن القصة بحاجة إلى حبكة فنية دقيقة جداً، فانا اكتب القصة خلال ثلاثة أشهر، أو أكثر، أغيرها وأنقح، واختزل، حتى أرضى عنها.

* كيف تصف لنا رحلتك مع القصة.. هل كانت سعيدة؟
كانت سعيدة، لكن صاحبتها معناه، لأنني لا أرضى بسهولة عن الأشياء التي اكتبها.. فانا أول من ينتقد نفسي.. والكاتب لا يتطور إلا اذا كان ناقداً لنفسه.. فانا اذا لم اقتنع بقصتي ترى كيف اقنع القراء.. فالقصة تعني ـ لديّ ـ إيهام القراء بأنها واقعية ـ أي ممكنة ان تحدث ـ ولابد من إقناع القارئ بهذا.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com