ملفات وقضايا

 

هجرة يهود العراق . . الظروف والتأثيرات لم يتعرض اليهود البغداديون إلى أعمال عنف كبرى إلا بعد انهيار حكومة الكيلاني

عدد المشاهدات   455
تاريخ النشر       13/03/2019 06:11 AM


الدكتور عباس شبلاق         ترجمة: مصطفى نعمان أحمد


تَمثل مصدر القلق الثاني بالموقف حيال ألمانيا. فبعض القوميين العرب، شأنهم شأن القوميين الآخرين في المستعمرات البريطانية في ذلك الوقت، رأوا في الحرب العالمية الثانية فرصة لإنهاء الهيمنة الأجنبية، بمساعدة ألمانية إذا اقتضت الضرورة. ومع أنه من غير الصائب وصم قيادة الحركة القومية "بالنازية" –كما تفعل معظم المصادر الصهيونية (انظر كوهين، 1969، على سبيل المثال) ومن الإنصاف الافتراض أن الدعاية النازية وجدت أنصاراً لها في تعبئة شعور معادي لليهود في العراق. وما من دليل أن أي أذى جدي قد لحق باليهود أثناء وجود الكيلاني في السلطة، إلا أن الشيوعيين، الذين كانوا يساندون الكيلاني، سلطوا الضوء (في فترة لاحقة) على حالات قليلة تعرض فيها يهود أفراد إلى المضايقة (بطاطو، ص 435-455). ولم يتعرض اليهود البغداديون إلى أعمال عنف كبرى إلا بعد انهيار حكومة الكيلاني. وبسبب طبيعة هذه الأعمال العنيفة والأهمية التي لا سابق لها فقد تركت أحداث "الفرهود" تأثيرها على أذهان العديد من اليهود العراقيين، ومن الضروري بمكان إيراد توضيح مختصر لتسلسل الأحداث. لقد عقدت حكومة الكيلاني العزم على إبقاء العراق بعيداً عن الحرب، الأمر الذي أعطى لبريطانيا ذريعة لإعادة احتلال العراق بوصفه جزءاً من استراتيجيتهم الجديدة. وكانت معاهدة 1930 بمثابة تبرير مناسب. وقد اتخذ الوصي، الذي كان قد فرَّ من بغداد، ملاذاً بالقوات البريطانية المتواجدة في الخليج في البدء ومن ثم عمّان، الأردن. نزلت القوات البريطانية في البصرة في بواكير أيار 1941 واقتربت من بغداد بحلول نهاية الشهر. وقد هرب القادة القوميون، من البلاد في الثلاثين من أيار، بعد إدراكهم أنهم خسروا المعركة. وقام البريطانيون باحتلال المواقع الاستراتيجية في ضواحي بغداد، وعاد الوصي إلى العاصمة في الأول من حزيران. وليومين أو ثلاثة أيام كان ثمة فراغ في السلطة في بغداد. وكانت فترة حساسة، ملئى بالتوتر، مع تصاعد المشاعر إثر إدراك القوميون لهزيمتهم المذلة بعد معركة استمرت شهراً كاملاً مع البريطانيين وأنصارهم. وتفجر شغب في العاصمة في الأول من حزيران وانتشر انتشاراً سريعاً. فقد نُهبت البيوت والمتاجر ولقي زهاء 250-300 شخص، معظمهم من اليهود، حتفهم أو تعرضوا للإصابات(10) بما أصبح يُعرف بالفرهود (الذي يعني سقوط النظام والقانون). تم إجراء تحقيق رسمي وجرى تبني الرؤية البريطانية للأحداث، التي حمّلت "القوميين والدعاية الألمانية المسؤولية". وتم اعتقال العديد من الأشخاص وحوكموا في محاكم عسكرية، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام العلني في ثلاثة متهمين في الثالث عشر من تموز 1941، وقامت الحكومة بالتبرع بسبعين ألف جنيه استرليني إلى لجنة الإغاثة اليهودية (حاييم، 1978، ص 194-195). وفي وصفهما للأحداث التي أفضت إلى أعمال العنف، أشار الحسني (1953) وحاييم (1978) إلى مظاهر الفرح العلني التي أبدتها مجاميع من اليهود لدى سماعها بالوصول الوشيك للقوات البريطانية وعودة الوصي. وقد عدَّ القوميون، الذين كانوا بحالة فوضى إثر هزيمتهم، هذا الموقف مستفزاً. ومن المشكوك به أن مظاهر الفرح كانت السبب الوحيد في العنف الذي لا سابق له، ولكن يبدو أنها أعطت الشرارة لاندلاع أعمال الشغب. وأورد حاييم (1978) أن "الأعضاء البارزين في الطائفة ممن آثروا على الدوام تبني الحذر والتحفظ ساورهم القلق إزاء هذا الإظهار للفرح" (ص 194). وبالتأكيد كان العديد من القوميين متشككين ومستائين من الاتجاهات المؤيدة لبريطانيا بين الطائفة اليهودية. وذكر الحسني (1964،ص 69) أن الشائعات بالتواطؤ مع البريطانيين أمست شائعة في بغداد قبل انهيار حكومة الكيلاني. وما قد يعطي مصداقية لوجهة نظر كهذه هي اشتراك وحدات عسكرية يهودية في فلسطين، في ظل قيادة بريطانية، في القتال ضد القوميين (للمزيد من التفاصيل انظر الصايغ، 1966، ص 26-83). ويعتقد البعض أن البريطانيين مسؤولون مسؤولية رئيسة عن تفجر العنف، بوصفه جزءاً من سياسة لتحويل الغضب الشعبي في الوقت الذي يقومون به باستكمال الاستيلاء على البلاد. وفي مجموعته يورد توينا (1977، ص 89-90) ثلاثة حوادث في الأقل لدعم وجهة النظر هذه. وثمة وجهة نظر مشابهة قدمها مير بصري، رئيس الطائفة اليهودية العراقية في ستينيات القرن العشرين. وأشار كوهين (1966، ص 8) إلى أن بريطانيا غضت النظر عن أعمال مشابهة للعنف (وإن كانت على نطاق أصغر) في مدينتين اخريتين، البصرة والفلوجة، حيث نُهبت المنازل والمتاجر دونما تمييز بين الممتلكات اليهودية وغير اليهودية. ومن المثير للانتباه عدم وجود وثائق تعود إلى حزيران 1941 تتعلق بالعنف الذي شهده ذلك الشهر بين أوراق وزارة الخارجية البريطانية. (12) ولكن ثمة شك ضئيل أن البريطانيين كانوا معارضين للتدخل، وهذا ما أكدته فريا ستارك (1945)، التي كانت آنذاك مسؤولة رفيعة المستوى في السفارة البريطانية في بغداد. فقد كتبت تقول "إن القوات البريطانية، التي عسكرت على بعد أميال من بغداد، لم تكن تواقة لدخول المدينة إلا عند دعوتها لذلك، وكانت القوات النظامية العراقية تواقة على نحوٍ مساوٍ لكسب المعركة دونما مساعدة" (ص 160). وهذا التقييم للموقف البريطاني ردده ضابط استخبارات رافق القوات البريطانية قرب بغداد، حيث أوضح أن البريطانيين وحلفائهم من الساسة العراقيين لم يكونوا تواقين لإضعاف موقف الوصي بالتدخل المباشر في موقف حساس كهذا (اقتباس أورده مائير، 1973، ص 63). ولربما كانت الأوضاع الاقتصادية في ذلك الوقت عاملاً في اندلاع أعمال الشغب؛ فضروريات الحياة كانت جد غالية ولا تستطيع الشرائح الأفقر من الشعب تحملها. وبدا أن معظم مَنْ قاموا بأعمال السلب والنهب كانوا ينحدرون من الأحياء الفقيرة المحيطة ببغداد. وقد جاؤوا من الجانب الآخر لدجلة للسلب والنهب وليس للقتل، وكانت أحياء الأثرياء هدفاً لهم، على حد وصف ستارك (1945). ومضت تقول "إن الجسور التي تربط ضفتي دجلة في بغداد (الكرخ والرصافة) شهدت منظراً غريباً، حشود خاوية اليدين تتجه شرقاً وتعود محملة اليدين برزم من شتى الأنواع" (ص 160). وقدرت ستارك أن ستين إلى سبعين سلاباً لقوا حتفهم حين اصدر الوصي أوامره إلى قوات كردية ملكية بدخول المدينة، وفرض حظر تجوال، وإطلاق النار فور رؤية مثيري العنف. وقد القى العديد من العراقيين في حينه باللوم على التجار اليهود وشركائهم المتنفذين للنقص الحاصل في الطعام والسلع (الحسني، 1958، ص 102-103، 195-196). وجاء حدوث أعمال العنف في 1941 على الضد من خلفية هذه العوامل المعقدة والاحداث الاستثنائية.فمن الإفراط في التبسيط النظر إلى الفرهود بوصفه عملاً موجه ضد اليهود، وإنما كونه نتاجا لشعور عميق ومكبوت ضد البريطانيين، وجد متنفساً له ضد اليهود. ولذا يورد هيرست (1977) الآتي: "في مناسبات نادرة في التاريخ العربي حين ينقلب المسلمون –أو المسيحيون ايضاً- ضد اليهود المتواجدين بينهم، فإن الأمر لا يعد عملاً معادياً للسامية، بمعناه الأوربي التقليدي، بل تطرفاً لم يتولد جراء استياء غير مبرر. ومضى يقول: وشأنهم شأن الأقليات الأخرى كان لليهود نزوعاً للتحالف، بغية الاستفادة، مع ما تعده الأغلبية حكماً دخيلاً وقمعياً. وفي الفترات الأخيرة، فإن هذا الأمر يعني أن الطائفة اليهودية المحلية، من العراق إلى المغرب، وجدت درجات مختلفة من المحاباة من أسيادهم الفرنسيين والبريطانيين في العالم العربي. وإذا ما وقع بعض اللوم على اليهود العرب للإجحاف الذي ولده هذا التصرف ضدهم، فإنهم لا يستحقون لوماً كبيراً على القضية الأخرى التي أثارت العداء العربي – الصهيونية – والتي ثبت في نهاية الأمر أنها أكثر تخريباً لحياتهم (ص 161).

الإخفاق الصهيوني
كان لأحداث الفرهود تأثير نفسي عميق على اليهود العراقيين. فالعنف الذي لا سابق له صدم العديد منهم وجعلهم يعيدون حسابات علاقاتهم بالعراقيين الآخرين، وألحق ضرراً جسيماً بشعورهم بالأمان. وبرغم أن هذه الأحداث أمست جزءاً من التراث اليهودي، فإنها (أي الأحداث) لم تفضِ إلى أي تحولٍ جدي في الرأي لصالح الصهيونية. ولم يتم استغلال أحداث الفرهود استغلالاً كاملاً إلا بعد مرور ثماني أو تسع سنوات. ومع ذلك فثمة مؤشرات على أن اليهود البغداديين سرعان ماتغلبوا على صدمة أحداث 1941 وسرعان ما لف النسيان أحداث العنف على نحوٍ جلي. وأحد عوامل ذلك تكمن في الازدهار الاقتصادي المتحقق خلال الحرب، الذي كانت الطائفة التجارية اليهودية المستفيد الرئيس منه. وقد عمل العديد من اليهود كمقاولين ومجهزين لقوات الاحتلال البريطاني (يُقدَّر عددها بحوالي مئة ألف). أما الأُسر التي كانت قد حصلت على سمات سفر إلى الخارج (إلى الهند بصورة رئيسة للعيش مع أقاربهم) فسرعان ما غيروا رأيهم. (13) وقد أصاب المبعوثون الصهاينة الذين وصلوا بغداد خلال الحرب الذهول من ضعف استجابة اليهود العراقيين لدعواتهم. ولكن الوجود البريطاني وفَّر فرصاً للأنشطة الصهيونية. وقد ساعد وجود وحدات عسكرية يهودية من فلسطين كجزء من قوات الاحتلال البريطانية في دعم هذه الأنشطة (للمزيد من التفاصيل، انظر مائير، 1973 ؛ وأطلس، 1969). وقد تمتع المبعوثون الصهاينة بغطاء تمثل بالمقاولين اليهود القادمين من فلسطين والعاملين في خدمة البريطانيين، كسويل بونيه، شركة هيستادروت، وأيكد (شركة فلسطين للنقل). وأخيراً، تمتع بعض الصهاينة بنفوذ معين في ذلك الوقت من خلال علاقاتهم التجارية مع المسؤولين العراقيين..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com