ذاكرة عراقية

 

النسيج تراث عالمي لدى كل الشعوب

عدد المشاهدات   91
تاريخ النشر       13/03/2019 06:21 AM


اياد جاعد محسن
يُعتبر التراث الشعبي الهوية والسمة المميزة لكل الشعوب وينتظم تحت قائمة حافلة بممارسات ونشاطات وفعاليات أورثها لنا الآباء والأجداد الذين ظلت بصماتهم خالدة جيل بعد جيل. وواجبنا ان نحترم تراثنا ونشره بين الشباب ليكون أكثر اصالة واشد وحدة وأرفع اخلاقاً ممن لا تراث لهم، ان تراثنا حي ومستمر مع حياتنا اليومية كالأعياد والمناسبات وللأسف إن قسماً كبيراً منه بدأ يأفل بسبب الحياة المعاصرة كالأزياء والصناعات النسيجية وأدوات العمل بالاضافة الى الكثير من الفعاليات، ونرى بين الحين والآخر اقامة بعض النشاطات الخجولة من قبل منظمات مستقلة تهتم بالتراث الشعبي حباً واخلاصاً لماضيها المجيد المشرق. ففي الحضارة السومريّة قبل أكثر من (7) آلاف سنة كانت حرفة النسيج مزدهرة وكانت تنسج ألبسة الملوك والحكام ولعامة الناس وتفرش بها المعابد وتعلق على الجدران.. وهناك الكثير من الرقم الطينية اضافة الى الاختام توضح لنا وتؤرخ لتلك الفترة الزمنية من تاريخ حياة سكان وادي الرافدين. ثم جاءت الحقبة الأكدية وهي الامتداد التأريخي للحضارة السومرية حيث اهتموا بالنسيج وكانت ازياؤهم متميزة من حيث الزخارف والنقوش والالوان ويمكن ملاحظة ذلك بشكل واضح على تمثال الملك الحكيم كوديا والذي توجد احدى نسخ تماثيله في المتحف العراقي ببغداد من حجر البازلت الاسود حيث تظهر لنا الزخارف وهي تطرز بدلته الملكية وكذلك ربطة رأسه التي هي اشبه بعقال عريض يشد به رأسه لها شبه كبير باليشماغ الذي يلف به البغداديون القدماء رؤوسهم (الجراوية) شأنه شأن حكام تلك الفترة من تاريخ العراق القديم. وفي الحضارة البابلية القديمة يظهر لنا واضحاً في الرسوم والنقوش التي خلفوها لنا والتي امتلأت بها المتاحف الاوربية والامريكية كانت أغلبها للملوك البابليين وهم يرتدون ازياؤهم التقليدية الطويلة الحمراء والزرقاء ويضعون على صدورهم الشالات, وكانت مدينة بابل العاصمة ومعابدها الكبيرة والمعابد الاخرى في باقي المدن مثال على ذلك لاحتواء الكثير من قطع النسيج والسجاد الذي كان يغطي ارضيات قصور بابل العظبمة وخاصة القصر الجنوبي وقاعة العرش والغرف الملكية في جنائن بابل المعلقة المفروشة بانواع فاخرة من النسيج والسجاد البابلي الذي اوصله البابليون الى قمة التطور والرقي شأنه شأن بقية الفنون والحرف الاخرى حيث جلب البابليون العديد من الحرفيين اثناء حروبهم وغزواتهم لبلاد عيلام شرقاً والممالك اليهودية غرباً وكانت هذه الحرف يقوم بأدائها الاسرى والعبيد وتشرف عليها المعابد في اماكن اشبه بالورش أو المعامل وسنوا لها القوانين التي تنظم عمل هؤلاء الحرفيين وتذكر لنا بعض الروايات إن الملكة المصرية الفرعونية نفر تيتي قد أوصت بعد موتها أن يلف جسدها بسجادة بابلية لتدفن فيها وهذا دليل على شهرة بابل بهذه الصناعة أو الحرف المتميزة لوجود المراعي الواسعة والاراضي الزراعية الخصبة حيث تربى قطعان الاغنام بكثرة والتي تكون اصوافها هي المادة الاساسية لصناعة النسيج والسجاد البابلي الشهير الذي ينتج من الاصواف التي تجز من الاغنام في اعياد الربيع من شهر نيسان في كل عام باحتفالات بابلية كبيرة تعد لهذا الغرض ثم تنظف وتوضع على مغازل يدوية خشبية لتصبح خيوطا وبعدها تعد للصبغ بالوان متعددة وحسب الطلب وقد وجد في بابل رقيم طيني مرسوم عليه آلة هي أقرب في الشبه لآلة النسيج الجومة الحالية وفي هذا الرقيم الطيني يبدو لنا العامل النساج يؤدي عمله والى جانبه شخص يساعده في اداء عمله, أما الاصباغ المستخدمة في تلوين الغزول فهي اصباغ طبيعية نباتية خالصة مستخرجة من أزهار بعض النباتات وازهارها وكذلك لحاء بعض الاشجار اضافة الى جذور بعض النباتات وبعض الاحجار الطبيعية الملونة بعد سحقها وطحنها وتنعيمها لتصبح اشبه بالبودرة أو الطحين لتخلط بالماء لتعطينا اللون المطلوب. ومن الحوادث المهمة على شهرة النسيج بوادي الرافدين ففي بابل واثناء التنقيبات القديمة وبالقرب من بوابة عشتار عثر المنقبون الاجانب على تصميم لسجادة بابلية قديمة على جدارية كبيرة لها تصاميم وزخارف رائعة ومتميزة ومشهورة في تلك الفترة.. وكان هناك سجادة اخرى قد عثر عليها المنقبون الروس في أحد الاماكن من سيبيريا بالاتحاد السوفيتي السابق عليها نفس تصاميم السجادة البابلية الجدارية وقد كانت السجادة ما زالت محافظة على تصاميمها والوانها وشكلها الخارجي وهذا يدل على إن حضارتنا البابلية القديمة قد أثرت على بقية حضارات العالم حيث انتشرت الى اقصى مكان في العالم القديم. ثم جاءت الحضارة الآشورية التي ورثت الحضارات التي قبلها وهي امتداد لكل ذلك الخزين الثقافي والفني والعلمي وكان الآشوريين شعب حضاري ومتقدم فقد زينوا قصورهم بجداريات حجرية للملوك ومعاركهم (للقادة والحكام المشهورين بالمعارك العسكرية التي انتصروا فيها على أعدائهم وفي كل فتوحاتهم شمالاً وغرباً وشرقاً حيث امتدت امبراطوريتهم وحضارتهم على مساحات شاسعة من تركيا وايران وبلاد الشام وسيناء ومصر, لقد وثقوا كل ذلك ورسموه على جدرانهم الحجرية التي تمتد لعشرات الامتار على اسوار آشور ونينوى وعلى تماثيلهم ونصبهم التذكارية وقصورهم لينقشوا على الحجر ملوكهم وهم يلبسون عدة الحرب والقتال والجنود والضباط بملابسهم الحربية وأزياء الاسرى مما يدل على إن حرفة النسيج التي تنتج ملابس وأزياء الاسرى والجنود المحاربين ملوكاً وضباطاً وعامة الشعب رجالاً ونساءاً.. وما موجود في المتحف العراقي خير دليل على ذلك , فقد كانت حرفة النسيج معروفة ومشهورة بين الحرف والفنون والاعمال ولها مكانة خاصة واحترام خاص للعاملين فيها. وتوالت الحقب الزمنية الى أن جاء الاسلام فازدهرت حرفة النسيج والحياكة فكانت تنسج ملابس الخلفاء والأمراء والجنود وعامة الناس عندما استقروا في المدن ازدادت الحاجة لمنتجات هذه الحرفة فكان هناك أشبه بمعامل لانتاج الاقمشة والبسط والفرش والسجاد لقصور الخلفاء والامراء والحكام والاغنياء وعموم الناس والمساجد والدور والمدارس, وقد اشتهرت مدن عربية واسلامية بهذه الحرفة التي سرعان ما انتشرت وتوسعت بتوسع المدن وحاجة الناس وعلى مر السنين والعصور فقد كانت هناك مدن مشهورة في العراق كالكوفة وبغداد والبصرة وميسان والموصل والانبار ومدن اخرى, كذلك أمدتنا المصورات العربية الرائعة للفنان العراقي الشهير الواسطي الذي رسم لنا في منمنماته الحياة العربية نهاية العصر العباسي من القرن الثاني عشر الميلادي في أكثر من مئة لوحة أو يزيد رسم لنا الأزياء العربية الاسلامية والعمارة والتقاليد والمناسبات ورسم لنا وجوه الناس والطبيعة ولغاية الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي كانت حرفة النسيج والسجاد قائمة ومزدهرة في العراق وهناك مدن اشتهرت بها وانفردت بانتاج انواع متعددة من النسيج سواء في وسط وجنوب وشمال وغرب وشرق العراق ففي وسط العراق اشتهرت المدحتية والقاسم في مدينة الحلة بانتاج انواع متعددة من البسط ونماذج اخرى كذلك في مدينة الديوانية والرميثة والحضر وايضاً في مدينة الكوت والنعمانية والحي ومدن أخرى كثيرة في العراق, غير إن التقدم الحضاري والصناعي الذي مر به العراق في منتصف السبعينات حمل معه اموراً لم تكن في الحسبان وحدوث الطفرة الاقتصادية بعد التأميم وازدياد واردات الدولة من النفط والتقدم الحضاري والاقتصادي والاجتماعي وعزوف العاملين بهذه الحرفة عنها بسبب استيراد الدولة لما يشبهها من المنتجات أحلى وأرخص ومتنوعة الاستعمالات وتوجه الكثير من الحرفيين للعمل في دوائر الدولة أدى الى انحسار هذه الحرفة واضمحلالها وموتها البطئ واذا وجدت فإنها تكون منزوية في اماكن بعيدة ولم يعد الناس تقبل عليها أو تقتنيها ولقلة استعمالها وعدم اهتمام الدولة بها وتكاد تنقرض وبسبب عدم وجود حرفيين أو حس وطني تجاه هذا التراث وللعاملين فيه مما أدى الى غيابها. ولكن يبقى الأمل ببعض الرواد الذين ما زالوا يحافظون على هذا الموروث المهم لتاريخ وادي الرافدين ومنهم الدكتور عامر سلمان الفنان التشكيلي الذي استهوته هذه الحرفة وبقي محافظاً عليها لمدة (50) عاما بعد أن درسها من اصولها ومنبعها في المدحتية بمحافظة بابل التي كانت لها الريادة في انتاج اجمل النسيج في الخمسينات والستينات وحتى في اواسط السبعينات, ومن الجدير بالذكر إن الفنان المرحوم عطا صبري عندما كان مفتشاً اختصاصياً في وزارة التربية قد اختار الدكتور سلمان من بين (88) معلماً ليعمل معه في دار التراث الشعبي لتدريب الشباب على النسيج ثم أصبح مدرباً لعدة سنوات وفي عام 1973 أقام معرضه الشخصي الأول في المركز الثقافي الالماني ببغداد ثم نقل الى برلين عن طريق مهرجان الشبيبة بعدها شارك بعدة معارض يقدر تعدادها لأكثر من (120) معرضا داخل وخارج العراق, وقد تنقل في عمله الى عدة مدارس وثانويات الى أن أكمل الماجستير والدكتوراه تحت عنوان توظيف الحرف العربي بالنسيج والسجاد, وبعد احالته على التقاعد لم يتوقف فعمل مشغلاً في بيته وقد أنجز أكثر من (1200) عمل فني في صناعة النسيج وكلها تختص بالتراث الشعبي العراقي.
إن مثل هكذا فنان متشبث بالاصالة والتراث الشعبي العراقي الذي يمتد لآلاف السنين ألا يستحق الدعم والرعاية من الدولة للتعريف به وبأهمية هذا التراث وتمثيله لفترة طويلة من حياة الانسان العراقي وإقامة المعارض له وتسويق انتاجه لتبقى هذه الحرفة هي من سمات حضارة وادي الرافين وآخر ما قاله الدكتور عامر سلمان:
ما زلت أعمل عسى ان ينتبه لأعمالي من يحب العراق وتاريخه وشعبه.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com