ملفات وقضايا

 

هجرة يهود العراق . . الظروف والتأثيرات قائد الحركة الصهيونية السرية في العراق اندهش من افتقار اليهود العراقيين للحماس للذهاب إلى فلسطين

عدد المشاهدات   530
تاريخ النشر       14/03/2019 07:12 AM


الدكتور عباس شبلاق         ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

تَمثل الاهتمام الرئيس للصهاينة في كسب ود اليهود الأوربيين الذين كانوا قد فروا خلال الحرب ووجدوا ملاذاً لهم في الدول العربية. وقد أعطى ديفيد كيمجي (1976، ص 60-62) وصفاً لكيفية إرسال المبعوثين إلى الدول العربية وأوربا لتنظيم نقل اليهود إلى فلسطين. ولاحظ أن الطائفة اليهودية العراقية، شأنها شأن إخوانها في الدين في مصر وتونس، كانت معارضة للمساعدة في دعم هذه الأنشطة. وحين وصلت الدفعة الأولى من المبعوثين إلى العراق في آذار 1942، انحصر هدفهم الرئيس في تشكيل شبكة لنقل اليهود البولنديين والألمان ممن وجدوا ملاذاً لهم في الاتحاد السوفيتي وإيران. وفي مرحلة لاحقة، حوَّل المبعوثون اهتمامهم صوب تشكيل منظمة شبابية شبه عسكرية، تُدعى هادالاتوز (الحركة الرائدة) بين اليهود العراقيين، بوصفها جزءاً من سياسة هجرة انتقائية، للشباب على نحوٍ رئيس، إلى فلسطين. بيد أن أنشطة المبعوثين أخذت بالتقلص في نهاية الحرب ثم توقفت بحلول 1945، حين قرر معظمهم العودة إلى فلسطين. وفي رسالة بعث بها أحد المبعوثين الصهاينة، ويُدعى دان رام، مؤرخة في التاسع من تشرين الأول 1945 إلى إيكال آلون، قائد العمليات الخارجية للهاكانا آنذاك اعترف بفشلهم في العراق واقترح العودة (اقتباس أورده كوهينت، 1969، ص 159).
وبعد تسعة أشهر من اندلاع أعمال العنف في بغداد، كتب، أنزوسيريني، قائد الحركة الصهيونية السرية في العراق، إلى المنظمة اليهودية معبراً عن دهشته من "الافتقار للحماس بين اليهود العراقيين للذهاب إلى فلسطين". وعزا سيريني هذا الأمر إلى "الرخاء" الذي اصاب اليهود بسبب الحرب، وإلى ما أسماه "الموهبة اليهودية بالنسيان والتكيف"، وإلى موقف الحكومة العراقية، التي كانت قد دفعت تعويضات إلى ضحايا أعمال الشغب. وفي أيلول 1942 أورد سيريني الآتي: يجب أن لا ننسى أننا فوتنا فرصة العمل الحاسم لعدم وجودنا هنا بعد المجزرة مباشرة، وبعدم محاولتنا قبل المجزرة تهيئة الظروف الصحيحة لاستغلال الفرصة الذهبية (اقتباس أورده كوهين، 1969، ص 156).وثمة عامل مهم آخر لربما ساعد في تهدئة مخاوف اليهود العراقيين في فترة ما بعد الحرب تمثل في ازدياد حظوظ الجناح الديمقراطي في الطيف الوطني (على حساب القوميين العرب)، مع التأكيد على القضايا الاجتماعية والمحلية. وقد استمر هذا الاتجاه حتى إقامة دولة إسرائيل في آيار 1948. وقد تصاعد الاستياء الشعبي جراء العبء الثقيل الذي وقع على كاهل الفلاحين والشرائح ذات الدخول الواطئة من الشعب العراقي، إذ أوجدت أزمات النقص في الغذاء، والمواسم سيئة الحصاد، والتدني في عوائد النفط الذي فرضه البريطانيون بغية المساعدة في توفير الموارد المالية اللازمة للحرب مناخاً للتوتر الاجتماعي. وقد تصاعدت أسعار العديد من السلع الأساسية من خمسة إلى عشرة أضعاف، وباتت أكثر غلاءً بالنسبة لغالبية الشعب، ممن لم يكونوا قادرين على تحسين أوضاعهم أو إيجاد قنوات قانونية لإسماع تظلماتهم. وفي هذه الأثناء، ظلَّ الهدف الرئيس للسياسة البريطانية في الأربعينيات كما كان في السابق: "تحقيق غاياتنا باستخدام النفوذ بدلاً من الممارسة المباشرة للسلطة"، وقد تمسكت الطبقة الحاكمةالمؤيدة للبريطانيين بوسائلها القمعية عند التعامل مع المطالب الاجتماعية والديمقراطية. ومن الأهمية بمكان ملاحظة أنه في أوج قوة الحركة الوطنية، التي سيطرت فعلياً على شوارع بغداد خلال الوثبة في شباط 1948، شعر يهود العراق باطمئنان أوثق بإخوانهم العراقيين. فقد كانت هذه الفترة، كما اعترفت بعض المصادر الصهيونية، "فترة أخاء في وقت بدت فيه فلسطين بعيدة جداً" (انظر، على سبيل المثال، مائير، 1973، ص 218 ؛ وأطلس، 1969، ص 243-246). وحين لقي شاب يهودي، يدعى شمران علوان، حتفه على يد الشرطة خلال الوثبة، صورت صحيفة اليقظة (التي كانت تعكس وجهات نظر حزب الاستقلال القومي العروبي اليميني والتي أصبحت معروفة بموقفها المعادي لليهود بعد ثلاثة أشهر بالضبط، خلال الحرب في فلسطين) علوان بوصفه شهيد الشعب العراقي في القتال من أجل الحرية (الخامس من شباط 1948). وخلال الشهرين اللاحقين نشرت اليقظة ايضاً على نحوٍ متكرر قوائم باسماء المشاركين اليهود في الجهد الحربي العربي في فلسطين (انظر الأعداد الصادرة في 12، 13، 16، 17 شباط فضلاً عن الأعداد الصادرة في السابع، والثامن والعشرين من آذار 1948). لذا فمن الصعوبة بمكان قبول الحجة التي أوردها كوهين (169، ص 15) في تعليقاته على أعمال العنف المعادية لليهود لعام 1941 في بغداد: منذ العشرينيات وعلى نحو خاص منذ الأربعينيات، أمست الدعاية المعادية لليهود أكثر تأثيراً. فالقوميون العرب المسلمون بدؤوا يعدون اليهود بوصفهم أقلية قومية صهيونية وليس بوصفهم أقلية دينية ضعيفة. وكصهاينة، عُدَّ اليهود خونة للأهداف العربية. ولا تساعد حجة كوهين، على سبيل المثال، على تفهم الموقف الذي اتخذه الزعماء الدينيين والوطنيين في دولٍ عربيةٍ كلبنان، وتونس، والجزائر، والمغرب، إذ ساند العديد منهم أبناء وطنهم من اليهود إزاء الإجراءات المعادية لليهود التي اتخذها نظام فيشي خلال الحرب العالمية الثانية (انظر عبدو وقاسمية، 1971). وأخفقت هذه الحجة في التمييز بين الاتجاهات المختلفة للحركة القومية العربية. وحتى لو لم يكن في مخيلة كوهين سوى القوميين ضمن الحركة، فمن المشكوك به أنهم كانوا قد طوروا أي موقف متماسك بالإمكان عدّه تخلياً واضحاً عن وجهة النظر التقليدية تجاه اليهود العرب بوصفهم طائفة دينية. وثمة تفسير أكثر إقناعاً هو أنه مع تسارع الوتيرة التي تقدمت بها الصهيونية في أواخر أربعينيات القرن العشرين، سيما بعد إقامة دولة إسرائيل، فقد تصاعد حجم الارتباك بين بعض أطياف القوميين العرب، الأمر الذي أفضى إلى تفاقم الموقف جراء عوامل مختلفة على شاكلة غموض مفهوم الصهيونية نفسه، المستمد من تعربفٍ فضفاض نوعاً ما "لأمة يهودية" مرتكزة على الديانة اليهودية (انظر، على سبيل المثال، وولفسون، 1980، ص 112). وبعد إقامة إسرائيل، فإن وجهات النظر التي اتخذتها الطبقة الحاكمة وفئات متطرفة مختلفة من الحركة القومية العربية (متدينون أو قوميون) لعبت دوراً أيضاً، كما سنرى في الفصل الثالث. ولا يرى مير بصري، الذي عكس اعتقاداً واسع الانتشار بين اليهود العراقيين، وجود أساس للافتراض أن بزوغ القومية العربية كان ينبغي بالضرورة أن يغير موقف اليهود بوصفهم طائفة دينية في الدول العربية. وقال "لو لم تنشأ دولة إسرائيل، لما حصل شيء لليهود العراقيين. ولكان بإمكانهم البقاء في العراق شأنهم شأن أية أقلية دينية أخرى".

الفصل الثالث.. تصاعد التوتر
تمتع اليهود، بموجب الدستور العراقي لسنة 1932، بالحقوق المدنية ذاتها التي تمتع بها العراقيون الآخرون. وكانوا يحوزون أيضاً على حق إدارة شؤون طائفتهم وترشيح أربعة نواب كممثلين عنهم في مجلس النواب. وكان المجلس محط هيمنة التجار الأثرياء، والموظفين المدنيين رفيعي المستوى، ورؤساء العشائر، والزعماء الدينيين، وهي تركيبة تنعكس أيضاً في الطيف اليهودي، الذي ظلَّ بعيداً عن الضغائن السياسية وحافظ على علاقات ودية مع معظم الحكومات المتعاقبة. وفي واقع الأمر، كان اليهود العراقيون بمنأى عن السياسة لأجيال. وبالإمكان عزو هذا الدور السلبي إلى تقييمهم لوضعهم بوصفهم أقلية ضعيفة تتمتع برغم ذلك بأوضاعٍ اقتصادية جيدة. وحتى حين كانت الطبقة الوسطى العراقية البازغة قادرة على تشكيل جمعيات سياسية واجتماعية في ظل الملكية، بدا أن الأنتلجنسيا اليهودية المنحدرة من الطبقة المتوسطة تعارض عموماً الانضمام إليها أو النسج على منوالها. ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية، وعنف حزيران 1941، الذي أضفى على الطائفة اليهودية شعوراً بعدم الأمان، وبزوغ الجناح الديمقراطي بوصفه قوة قائدة للحركة الوطنية، ولاحقاً التأثير الصهيوني كان لها في نهاية المطاف تأثيراتها على الأنتلجنسيا اليهودية. أما المواقف السلبية للجيل الأكبر سناً، فهي محط شكٍ على نحوٍ متزايد. فقد رأى البعض أن هذه المواقف مسؤولة عن عزل الطائفة اليهودية عن الأطياف الواسعة للشعب العراقي. وقد انضم البعض إلى الأحزاب السياسية، لا سيما الحزب الشيوعي العراقي. وكانوا يعتقدون أن مستقبلهم ضمن التيار السائد للجماهير العراقية. وعلى سبيل المثال، ثمة بيان مكتوب يدوياً أعدَه شيوعي يهودي وصدر باسم الشباب اليهودي الحر ورد فيه: لن تنعم الأقليات براحة البال، ولن تحافظ على وجودها الاجتماعي حتى تنال الطبقة العاملة السلطة. وهو ما دفع الشباب اليهودي الواعي إلى الانخراط بشيوعيي الجماهير الكادحة. (اقتباس أورده بطاطو، 1978، ص 651)..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com