ذاكرة عراقية

 

التصوف.. تعريفه.. منهجه.. قديماً وحديثاً وموقف الإسلام منه

عدد المشاهدات   195
تاريخ النشر       14/03/2019 07:16 AM



بقلم / د.حميد خلف السعيدي

هناك تَعاريف عديدة للتصوف، فقد ذكر ابن العربي (ت 638هـ) بأن التصوف هو الوقوف مع الاداب الشرعية ظاهراً وباطناً، وهي الاخلاق الالهية، وقد يقال: بـإزاء إتيان المكارم للأخلاق، وتجنب سفافها لتجلي الصفات الالهية، ثم يردف ابن العربي فيدلي برأيه في بيان معنى التصوف فيقول: ((وعندنا الاتصاف بأخلاق العبودية، وهو الصحيح فأنه أتم))، وهناك اراء واقوال اخرى تدور في الكشف في معنى التصوف، منها: ان التصوف هو مذهب كله جد، فلا يخلطونه (اي الناهجين في سبيله) بشيء من الهزل، وقيل: تصفيه القلب عن موافقة البرية ومفارقة الاخلاق الطبيعية، واخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوية النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، واستعمال ما هو اولى على السرمدية، والنصح لجميع الامة، والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الشريعة.. وقيل ايضاً ترك الاختيار.. وقيل بذل المجهود والانس بالمعبود.. وقيل: حفظ حواسك من مراعاة انفاسك.. وقيل: الاعراض من الاعتراض.. وقيل: هو صفاء المعاملة مع الله تعالى، واصلة التفرغ عن الدنيا.. وقيل: الصبر تحت الامر والنهي.. وقيل: خدمة بالحقائق، والكلام بالدقائق واليأس مما في ايدي الخلائق.. والصوفية في رأي الغزالي (ت 505هـ) هم: أهل علم وعمل تخلية القلب من غير الله وتحليته بذكر الله، ويرى البعض ان لفظة التصوف مشتقة من (الصوفة) وهو خاص ((للشاة)) والصوفة أخص منه، ويعتبر لبسه شعاراً للزاهدين في قصته.. وقيل غير ذلك كما سيتضح لنا ذلك في سطور القادمة ان شاء الله.. وقد اخذ التصوف اهتمام الباحثين والدارسين ولا يزال حتى يومنا هذا، وذهبوا في ذلك مذاهب شتى في آرائهم واستنتاجاتهم حول التصوف ومتى بدأ وما هو افاق مدلوله، على انه بالرغم من كثرة ما كتب عن التصوف، عبر تداول العصور، فما اقل ما عرف عنه.. وبرغم التباين الواضح فيما كتب عن التصوف، من مؤيدين افرطوا في تأييده، ومعارضين اشتدوا في نقده، فما اقل الحقائق الاكيدة الاصلية التي عرفت عن التصوف.. بل ان تعريف التصوف لم يصل فيه المجتهدون الى قول متفق عليه، ولفظ محدد له.. حتى لفظة التصوف – نفسها – اختلفت الاراء في اصلها.. وفيما تشير اليه. فقيل انها تشتق من لفظ ((سوفيا)) اليونانية والتي معناها ((الحكمة)).. وبذلك يكون التصوف هو ((طلب الحكمة))، ((حالها حال الفلسفة))، مهما كانت واينما كانت. وقيل انها مشتقة من ((اهل الصفة))، وهم قوم من فقراء المسلمين، اقعدتهم ظروفهم ايا كانت هذه الظروف عن السعي والكسب فأقاموا في ((صفة المسجد)) وهي مؤخرة مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، لا يشغلهم اي امر عن العبادة والاستغراق فيها، اذا رزقوا اكلوا، واذا تعبدوا عبدوا، فشبعوا وفي الحالتين، شكروا وحمدوا، ولذلك يحسبهم الناس من الاغنياء، يتجلى نور الايمان على وجوههم بعد ان فاضت به نفوسهم، واثر العبادة الحقة واضحة على حالهم.. ظاهرا في سيماهم.. هؤلاء الذين قال عنهم القرآن الكريم ((لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا))، وهناك قول كما – اشرنا – بأن لفظ التصوف هو من لبس الصوف، فمن ارتدى الصوف عامداً لبسه، قاصداً هدفه، فقد تصوف.. ولبس الصوف، كان علامة الزاهدين وانارة العابدين، وذلك على مر الازمان، ولعل الرسل والانيباء هم اول من سبقوا الى ارتداء الصوف، اذ اشتغلوا جميعاً برعي الغنم.. وعن طريق استغراقهم الفكري في مكان الرعي الفسيح الهادئ قبل بعثهم، عرفوا الحقيقة، وهي زوال الحياة الدنيا مهما طالت.. فلا تبهرهم انوارها... ولا يقبلون على متاعها، وانهم منتقلون الى الحياة الاخرى مهما بعدت.. فأقبلوا على زادها وعتادها بالزهد والتقوى والعبادة، فتركوا لذلك لبس اللين الناعم من الحرير.. الى الخشن الجاف من الصوف، وهو القريب منهم، يحصلون عليه من اغنامهم ويغزلونه بأيديهم، ويرتدونه ستراً لعوراتهم، وحافزاً لهم بما لا توفره من متعة او راحة لاجسادهم.. ولذلك لبس كل الانبياء والرسل الصوف وحذا البعض حذوهم، فلبسوا الصوف.. وهكذا قيل التصوف.. اي لبس الصوف. وقيل ان التصوف، اي لبس الصوف، وقيل ان التصوف من الصفاء، صفاء القلوب لربها وصفاء النفوس لخالقها، وصفاء الارواح لاصلها، وقد يقال انها من (التصفية)، اي تصفية الانسان، فكراً وعملاً ويقيناً، من كل ما هو غير الله سبحانه وتعالى حتى يصبح من عباد الله المخلصين، وهكذا تختلف اراء العلماء والباحثين في اصل اسم (التصوف) وتعريفه، بل ان كبار المتصوفة وائمة الصوفية لم يتفقوا في اقوالهم عن التصوف على تعريف موحد له.. ولا شك ان جميع التعريفات التي وضعها المتصوفة صحيحة، حيث وضعت بعد ممارستهم حياة التصوف وانها تشير الى ما يعتقدونه في امر التصوف وما رأوه فيه.. وليس التصوف مقصوراً على زمن دون غيره، وهو مستمر التطور مع مراحل الزمن، ويعيش رحاب رموز فكرية له ممارسات حياتية وعلمية متنوعة، وعلى هذا فليس التصوف وفق هذا المنظور ((بوهم)) او خيال، يسيطر على انسان قد جاع وعطش زهداً في عرض الدنيا فيرى ما يحسبه صحيحاً وهو ليس ذلك او يرسم له خياله، ما يكون حلماً او امنية، او يتراءى له متوهماً في شطحاته ما لا يراه غيره ممن مارسوا او لم يمارسوا حياة التصوف، اذن التصوف هنا علم يصل به الانسان الى معرفة الحقيقة، واذا ما وصل بعلمه وعمله عاش حياة الحقيقة، تلك الحياة التي لا يصفها الا من عاشها، ولا يفهمها الا من مارسها ولو للحظات خاطفة، في ساعات من حياة المجاهدة، وقد قرر الغزالي اثناء استغراقاته الروحية وتعايشه مع ظروفه النفسية التي انطبعت بآراء الصوفية بأنهم ((أرباب احوال لا رباب اصحاب اقوال))، بل ان ما يحصلونه مبني الذوق والسلوك، واقوال الصوفية في ميادين سياحاتهم واشتغالاتهم لا تدخل تحت الحصر ومن الصعوبة الاسترسال فيها واستنتاج الاستدلالات منها، وذلك لكثرتها وتشعباتها مما لا تسعها هذه الصفحات، ولقد بحث في امر التصوف علماء كبار من اهل العلوم الطبيعية، ومنهم اطباء يعتبرون قادة في الطب والجراحة ووصلوا فيه الى حقائق، هي ما تتبعث من اقوال المتصوفة عن التصوف، فيقول الدكتور ((ألكسيس كاريل)) الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة في كتابه ((الانسان هذا المجهول)) ((قلما نلاحظ عند الرجال الحديثين ظواهر النشاط، ان الشعور الصوفي حتى في اكثر صورة بدأوة شعور فريد وهو اكثر تفرداً ايضاً من الشعور الخلقي ومع هذا فهو واحد من اوجه نشاطنا الجوهرية، ان الوحي الديني طبع البشرية ((بطابع)) اعمق اثراً من طابع الفكر الفلسفي – اذ كان الدين في المدينة القديمة عماد الاسرة والمجتمع، وما تزال ارض اوربا تغص بالكاتدرائيات وبقايا المعابد التي اقامها عليها السالفون، والحق اننا اليوم ندرك مغزاها بصعوبة، فأكثر المحتضرين لا يرون في الكنائس سوى متاحف تحوي فيها الديانات الدائرة، يدلنا موقف السياح الذين يدنسون كاتدرائيات اوربا الى اي حد محت الحياة الحديثة الشعور الديني، ومع هذا ظل الشعور الديني في الحياة الحديثة وظيفة ضرورية للشعور عند الافراد وهو في الوقت الحاضر يعود الى الظهور بين الرجال المثقفين ثقافة عالية، وهناك ظاهرة غريبة، هي ان الرهبنات الكبرى ليس لديها في اديرتها أمكنة كافية لقبول الشباب الراغبين في ممارسة الحياة الروحية عن طريق النسك والتصوف الذي يتخذ صوراً مختلفة، انه في حالته البدائية الاولى تعطش ونزوع مبهم نحو سلطان يعلو فوق الصور المادية والعقلية في عالمنا، وهو نوع من الصلاة غير المتصوفة، والبحث عن جمال الفن وجمال العلم، انه قريب من النشاط الجمالي، يقود الشعور بالجمال الى النشاط الصوفي، ومن ناحية اخرى تتحد الطقوس الدينية بمختلف صور الفن، من ذلك ان (الترنيمة) تتحول الى صلاة، ان الجمال الذي ينشده الصوفي اغنى من جمال الفنان وابعد منه عن التعريف والتحديد، انه بدون صورة على الاطلاق، ولا يمكن التعبير عنه بأي لغة، يختفي في اشياء العالم المنظور ويبدو لقلة من الناس وهو يتطلب تسامي الروح نحو كائن هو الذي ينبثق منه كل شيء، نحو سلطان او مركز قوي هو (الله) جل جلاله، ان التصوف ينطوي – كما يتراءى لنا هنا – وفي اسمى حالاته على طرائق غاية في التقدم والنضج ورياضة روحية صادقة يتطلب اولاً وقبل كل شيء ممارسة الزهد ويستحيل تحقيق الوصول الى الهدف دون بذل الجهد في رياضة النفس على هذا الزهد، ولهذا كانت قلة من الناس هي التي تجد في نفسها الشجاعة الكافية للسير في طريق الصوفية، وهذا الطريق الوعر يقتضي المرتحل فيه التجرد من ذاته ومن امور هذه الدنيا، واذا هو بعد ذلك في ظلمة الليل البهيم، انه ينفصل من نفسه شيئاً فشيئاً وتصبح صلاته تأملاً ويدخل في الحياة النورانية، انه يعجز عن وصف ما يرى، ان روحه تنطلق بعيداً وراء المكان والزمان وتتصل بشيء يجل عن الوصف، انه يتأمل الله ويعمل معه..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com