ملفات وقضايا

 

هجرة يهود العراق . . الظروف والتأثيرات الهجمــات بالقنابـــل على أماكـن تواجـد اليهـود

عدد المشاهدات   662
تاريخ النشر       13/04/2019 08:02 AM


الدكتور عباس شبلاق         ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

يَبدو المأزق البريطاني واضحاً من البيانات المتكررة الواردة في مراسلات وزارة الخارجية مع المفوضية في بغداد. "إننا لا نريد إقحام أنفسنا بتمثيل المصالح الإسرائيلة في بغداد"، في إشارة واضحة إلى الموقف الذي اتخذه الأمريكان. وقد ظلت وزارة الخارجية البريطانية دائمة النصح إلى مفوضيتها بالاضطلاع "بمشاورات وثيقة" مع الأمريكان. ولم يُبدِ البريطانيون بالتالي معارضتهم للطلب الأمريكي بتسهيل مهمة هيلل.وحين طُلِبَ لاحقاً من وزارة الخارجية توضيح ماهية النصيحة الواجب تقديمها حيال قرار تجميد الممتلكات اليهودية، ردت الوزارة قائلة: نعتقد بوجوب الطلب من القائم بالأعمال في بغداد تمديد فترة الإجلاء ... والذي ينبغي عليه تنسيق هذا الموقف تنسيقاً وثيقاً مع زميله الأمريكي، وأعتقد أن من الأهمية بمكان أن نبقى على اتصالٍ مع الأمريكان بهذا الخصوص. ويُظهر الدليل أيضاً أن المفوضيات الأمريكية في بغداد، وطهران، وقبرص كانت على اتصال دائم بوزارة الخارجية للمساعدة في إنهاء إجراءات مغادرة اليهود العراقيين. وقد أُحيطت المفوضيتان في طهران وقبرص علماً بضمان إصدار سمات الدخول للمهاجرين، في حين أفادت المفوضية في بغداد بالمعدل المتزايد للتسجيل الخاص بالهجرة إلى واشنطن على أساسٍ يومي. وتُظهر وثائق وزارة الخارجية البريطانية أن البريطانيين، الذين كانوا يفقدون نفوذهم فعلياً، لم يخفوا امتعاضهم من حصول شركة نيرايست إير ترانسبورت (NEATI) على احتكار نقل المهاجرين اليهود. وقد تذمرت الشركات البريطانية من أن السلطات العراقية كانت تمارس التمييز بحقها. وقد فشلت الجهود التي بذلتها الحكومة البريطانية في محاولتها ضمان الحصول على حصة في العملية. وما كان يبدو بوصفه تنافساً تجارياً سرعان ما تطور إلى خلاف سياسي مع الإسرائيليين، المدعومين من الأمريكان من ناحية ومن البريطانيين من ناحية أخرى. وبدا أن المسؤولين العراقيين كانوا أكثر اهتماماً بضمان حصة شخصية لهم في هذا المشروع، حيث دعم السويدي، رئيس الوزراء، وصالح جبر، وزير الداخلية، الاتفاق المبرم مع نير إيست ترانسبورت. وكانت ثمة شائعات عدة من أن الإجراءات المالية المقصود منها إقناع السويدي وصالح جبر بالموافقة على الاتفاقية، وهذه الشائعات لم يؤكدها مسؤولون عراقيون أو إسرائيليون. وعلى الرغم من ذلك، فثمة تلميحات قوية في رواية هيلل (1977، ص 94، 104-105) من أن السويدي وجبر استفادا استفادة شخصية من قرار منح عقد الإجلاء إلى نيرايست إير ترانسبورت. واستذكر هيلل أنه خلال اجتماعه مع السويدي قدم وعداً لرئيس الوزراء "بحصة كبيرة من الأرباح" وموافقة الشركة على دفع (14) جنيه إسترليني إلى الحكومة العراقية لقاء كل تذكرة سفر. وفي رسالة سرية مطولة إلى لندن، لخص السفير البريطاني في بغداد قضية الخلاف الحاصل حول مسألة نقل المهاجرين قائلاً:نتيجة للتحقيق الذي قامت به السلطات العراقية، فإن الصعوبات التي تواجه الناشطين البريطانيين يبدو أنها ناجمة عن حقيقة أن الشركة الأمريكية (NEATI) قد تجاهلت الإجراء المعتاد بتقديم الطلب عبر لجنة الطيران المدني وأنها "اتجهت مباشرة إلى الجهات العليا". وكشف السير هنري ماك، في الرسالة لاحقاً، أن شركة نيرايست إير ترانسبورت كانت تعمل عبر وكالة سفر محلية، العراق تور، التي يحوز السويدي على حصة فيها. إن إمكانية تحقيق فائدة شخصية قد تُفسر تفسيراً جزئياً في الأقل تصميم نوري سعيد على تسريع الإجلاء. فقد كان خارج التشكيلة الوزارية حين عقد السويدي إتفاقية الإجلاء مع هيلل، ولكن حين اضطلع نوري السعيد برئاسة الوزارة في أيلول 1950، حاول القيام بمحاولات عدة لم يُكتب لها النجاح بإعطاء الشركات البريطانية حصة في عملية الإجلاء. وكانت شركة (BOAC) من بين هذه الشركات التي عمل نوري السعيد بوصفه وكيلاً لها. ومن غير الواضح أكان نوري السعيد قد حصل على فائدة شخصية. فإسرائيل، من جانبها، تحركت لتلبية طلبه بتسريع الإجلاء وذلك باتخاذها لقرار، في الخامس عشر من تشرين الأول 1950، بزيادة عدد رحلات شركة نيرايست إير ترانسبورت إلى رحلتين يومياً. ولم يُسمح لأية شركة بريطانية بالاشتراك في نقل المهاجرين. وفي العام التالي وجه مجلس الأعيان العراقي اتهامات بالفساد إلى أربعة وزراء، من بينهم السويدي، ونوري السعيد، وصالح جبر. وأشارت بعض الصحف العراقية فضلاً عن المسؤولين البريطانيين إلى "عدم وجود شك بتوافر أساس للاتهامات" وزيادة على ذلك، فخلال المحاكمات التي جرت بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، التي أطاحت بالملكية، جرى توجيه اتهامات بالاستفادة الشخصية من اتفاقية الإجلاء مع هيلل إلى السويدي (انظر محاضر محاكمة السويدي، محكمة الشعب، 1959).

الصهيونية المتوحشة
ثمة سلسلة من الأحداث كان لها عواقب بعيدة الأثر في الهجرة اليهودية تمثلت بالهجمات بالقنابل في بغداد. فبعد أسابيع قلائل من إقرار قانون إسقاط الجنسية، في الوقت الذي كان فيه هيلل يناقش اتفاقيات الإجلاء مع السويدي، حدثت أول سلسلة من الهجمات بالقنابل ضد أهداف يهودية. ففي الثامن من نيسان 1950 انفجرت قنبلة يدوية في شارع أبي نؤاس قرب مقهى يرتاده اليهود. وقد تسبب هذا الانفجار في جرح عدد من الأشخاص، بيد أنه لم يسفر عن سقوط قتلى. وفي الرابع عشر من كانون الثاني 1951 انفجرت قنبلة يدوية ثانية قرب كنيس مسعودة شنطوب، أفضت إلى مقتل اثنين من المارة المسلمين وجرح عدد من اليهود ممن كانوا قد تجمعوا قرب الكنيس. وفي الرابع عشر من آذار 1951 انفجرت قنبلة ثالثة، هذه المرة في مبنى المركز الإعلامي الأمريكي المقابل لسوق الصفارين في شارع الرشيد، وهو مركز يرتاده عدد كبير من اليهود. وتسبب الانفجار في جرح بعض زوار المركز، بيد أنه لم يُسفر عن سقوط قتلى. وفي مساء العاشر من أيار، حدث انفجار في مبنى آخر، تعود ملكيته إلى تاجر سيارات يهودي، ولم يسفر عن إصابات، بيد أن المبنى تعرض لأضرار. وفي الخامس من حزيران 1951، مساءً، كان ثمة انفجار قرب بناية شركة ستانلي شاعاشوا، ولم يسفر عن أضرارلم توجه السلطات الاتهام لأي طرف بالمسؤولية عن هذه الهجمات، واستمرت حالة القلق لسنة تقريباً بعد انفجار الأول، حتى السادس والعشرين من حزيران 1951، حين أصدرت الحكومة العراقية بياناً ذكرت في أنها كانت قد كشفت وجود "خلية تجسسية في بغداد يديرها شخصان أجنبيان جرى اعتقالهما" (في إشارة إلى يهودا تاجار، وهو ضابط إسرائيلي، وشخص بريطاني يدعى رودني، كان عميلاً للموساد)، فضلاً عن معظم رفاقهما في الخلية، بضمنهم أشخاص ضالعين في سلسة التفجيرات. وقد كشفت السلطات أيضاً عبوات ناسفة، وملفات، وآلات طابعة، وقوائم باسماء الأعضاء مخفية في معابد يهودية أو مدفونة في بيوت سرية. وتم ضبط هذه المواد بحضور قاضٍ مسؤول عن التحقيقات ، ومدير شرطة بغداد، ومجموعة من الوجهاء اليهود. وطبقاً للسلطات، فإن الغرض من هذه العمليات الإرهابية ثلاثي الأبعاد: أ) إرهاب اليهود وإجبارهم على الهجرة إلى إسرائيل، وهو ما حققوه بالفعل. ب) استغلال هذه الأعمال بغية نشر دعاية تُسيء إلى سمعة العراق. ج) إثارة اهتمام البريطانيين والأمريكان بخصوص العلاقات بين اليهود والعرب. وخلال المحاكمة، أوردت صحيفة العراق تايمز الصادرة بالإنكليزية في العشرين من كانون الأول أن الوثائق المحتجزة جرت تلاوتها في المحكمة. وبعض الوثائق سلطت الضوء على الجانب التنظيمي للحركة الصهيونية في العراق. وكشفت إحدى الوثائق أن نحو (300) يهودياً تتراوح أعمارهم بين (13) و(18) كانوا قد تلقوا تدريباً عسكرياً. وطبقاً لما ورد في دفتر ملاحظات أحد المتهمين فإن: النشرة التي تمت طباعتها وتوزيعها على أعضاء حركة صهيونية سرية (TNUA)، كان لها تأثير جيد على الطائفة اليهودية. فبعض اليهود كانوا يقومون بدعاية سرية على نحوٍ رسمي لتشجيع البقاء ومعارضة الهجرة، ولكن في حدود شهر واحد، لم يعد ثمة تأثير لهذه الدعاية. وأود أن أشكر من صميم قلبي كل أعضاء (TUNA) ... الخ (العراق تايمز، 20 كانون الأول 1951). وجرت في المحكمة تلاوة نسخة من منشور، قيل أن الصهاينة قاموا بتوزيعه إثر الهجمات بالقنابل. وقد حذر المنشور الطائفة اليهودية من عواقب البقاء في العراق، ونصح اليهود بالعودة إلى "وطنهم الطبيعي، إسرائيل"، ثم وجه المنشور النداء الآتي: "يا أبناء صهيون، سكنة بابل، حرروا أنفسكم... يا إخواننا اليهود، إسرائيل تناديكم"..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com