ملفات وقضايا

 

هجرة يهود العراق . . الظروف والتأثيرات الشرطة العراقية قدمت دليلاً يُظهر أن انفجارات بغــــداد كانـــت نتـــاج منظمـة صهيونيـــة سريــة

عدد المشاهدات   409
تاريخ النشر       15/04/2019 06:51 AM


الدكتور عباس شبلاق         ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

لقد غذتِ الدعاية الصهيونية الإرباك الحاصل بفعل فشل السلطات العراقية بالعثور على الضالعين بالانفجارات. وانتشرت الشائعات، أولاً في بغداد، من أن الشيوعيين لربما يقفون وراء الأحداث. وبعد الاعتقالات، كتب المؤتمر اليهودي العالمي (WTC) إلى وزارة الخارجية البريطانية قائلاً "لا بد أن يقف الإخوان المسلمون خلف الأحداث"، ومع ذلك، شعر المسؤولون البريطانيون أن الوثائق والأسلحة التي تم ضبطهما، والاعترافات والمحاكمة، "لم تترك مجالاً للشك بأن الصهاينة يقفون خلف أحداث التفجيرات". وفي الحادي والثلاثين من كانون الأول 1951 كتبت وزارة الخارجية البريطانية إلى السير أنطوني نيتنغ، الذي كان يحقق في الأحداث: "إن مزاعم المؤتمر اليهودي العام لا يدعمها دليل مقنع، وما من ثمة مؤشرات على أن المحاكمات كانت تجري على نحوٍ غير ملائم".وكان هذا الرأي محط تأكيد ولبور غرين آيف لاند، المسشار السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) الذي كان متواجداً في بغداد في حينه. وفي وروايته للهجمات بالقنابل، قدم آيف لاند معرفة عميقة بالمواقف التي اتخذتها الطائفة اليهودية العراقية، والصهاينة، ووزارة الخارجية الأمريكية. وقد أورد في كتابه كُتل الرمل (1980): بعد وصولي إلى بغداد مباشرة، اعترف مواطن إسرائيلي ... في التحقيق الذي أفضى اكتشاف خمسة عشر مخبأ للسلاح الذي جلبته الحركة الصهيونية السرية إلى العراق.. وفي محاولة لتصوير العراقيين بوصفهم معادين للأمريكان ولإرهاب اليهود، زرع الصهاينة القنابل في مكتبة المركز الإعلامي الأمريكي ومعابد يهودية، وسرعان ما ظهرت منشورات تحث اليهود على الهرب إلى إسرائيل. وقامت الحكومة العراقية بإجراء تحقيق واسع النطاق، وأحاطت سفارتنا علماً بنتائجه. ومراراً ما قام رئيس الطائفة اليهودية ساسون خضوري بزيارتنا في السفارة وكان يحث طائفته على التزام الهدوء مذكراً إياهم بأنهم مواطنون عراقيون في المقام الأول وأن اليهودية ما هي إلا ديانة لهم. وعلى الرغم من تقاريرنا المستمرة بأن الوضع في العراق كان مضخماً ومبالغاً فيه على نحوٍ غير طبيعي من الخارج، فقد حثتنا وزارة الخارجية على التدخل مع الحكومة لتسهيل القيام بطريق جوي كان الصهيانة ينوون تنظيمه "لإنقاذ" اليهود العراقيين.. وبرغم أن الشرطة العراقية قدمت لسفارتنا دليلاً يُظهر أن انفجارات المكتبة في المركز الإعلامي الأمريكي والمعابد اليهودية، فضلاً عن حملة المنشورات المعادية لليهود والأمريكان، كانت نتاج منظمة صهيونية سرية، فإن معظم العالم صدق التقارير القائلة أن الإرهاب العربي كان السبب في الحث على رحيل اليهود العراقيين، الذين كان الصهاينة قد "أنقذوهم" بغية زيادة نسبة الشعب اليهودي الإسرائيلي.. (ص 48-49). ولا غرو أن مصادر رسمية إسرائيلية لم تعترف قط بالمسؤولية إزاء الهجمات بالقنابل، وعدم الاعتراف هذا تبناه كتّاب إسرائيليون ممن تمكنوا من الوصول إلى الأرشيفات الصهيونية وكتبوا تاريخ الحركة الصهيونية في العراق من وجهة نظر رسمية. فقد ادعوا أما أن الدليل المتوافر لا يمكنهم من تقديم حكم صائب بهذا الخصوص (على سبيل المثال، كوهين، 1969)، أو أظهروا عدم الاهتمام بالأمر (مائير، 1973؛ أطلس، 1969 ؛ هيلل، 1977). وأكدت المعلومات المكشوف عنها لاحقاً مسؤولية الحركة الصهيونية إزاء الهجمات بالقنابل في بغداد. وقد نشرت صحيفة حاعولام حازيه (29 أيار 1966) رواية لهجرة اليهود العراقيين استندت إلى شهادة طاجار. ونشرت مجلة بلاك بانثر، وهي مجلة عسكرية يصدرها اليهود الشرقيون في إسرائيل، القصة الكاملة للهجمات بالقنابل والناشطين الذين يقفون وراءها في العدد الصادر في التاسع من تشرين الثاني 1972. وقد تضمنت رواية المجلة شهادة لشهود عيان. وقد أورد وولفسون (1980، ص 189-201) وهيرست (1977، ص 155-163) كلتا الروايتين إيراداً كاملاً. وفي الخامس من تشرين 1951 قررت محكمة عراقية أن خمسة عشر متهماً من أصل (21) متهماً مذنبين وأصدرت حكماً بالبراءة على المتبقين. وقد حُكِمَ على يهودا تاجار بالأشغال الشاقة مدى الحياة، فيما حُكِمَ على شلومو صالح شالوم ويوسف بصري، وهما عراقيان، بالموت وتم إعدامهما لاحقاً. وحصل المتهمون المدانون الآخرون على أحكامٍ بالسجن تتراوح بين خمسة أشهر وخمس عشرة سنة. وينبغي إيراد نقطتين أخيرتين حول الهجمات بالقنابل. النقطة الأولى تتعلق بإخفاق السلطة العراقية باعتقال الضالعين في الهجمات الأولى. ولم يُكتشف الجناة إلا بطريق الصدفة، وحين كان إجلاء اليهود يقترب من نهايته. وهذا الإخفاق معزو إلى عدم كفاءة القوات الأمنية. ولكن من غير الممكن استبعاد إمكانية أن المسؤولين العراقيين رفيعي المستوى آثروا غض أنظارهم عن الأنشطة الصهيونية في الوقت الذي كانت تجري فيه عملية الإجلاء. إن التقارير حول الاستفادة الشخصية وإطلاق سراح موردخاي بن – بورات، وهو قائد صهيوني محلي، بعد اعتقاله مباشرة، والذي تصفه مصادر إسرائيلية عدة بقائد الخلية التي تقف وراء حملة التفجيرات، أضافت مصداقية ما إلى وجهة النظر هذه. والنقطة الثانية تتمثل في وجود سبب للاعتقاد أن التفجيرات لم يكن بالإمكان أن تُنفذ دون قرارٍ متخذ من مستوى عالٍ في تل أبيب، ومن دون المعرفة الشخصية للزعيمين الإسرائيليين: يكال الون وديفيد بن غوريون. كان الون مسؤولاً عن العمليات الخارجية للموساد وعلى تماسٍ مباشر بالناشطين الصهاينة في بغداد، موجهاً لهم تعليمات ومزوداً لهم بالأسلحة (الون، 1970، ص 233-234). وقد أظهر بن غوريون، الذي دعم مهمة بن – بورات السياسية، اهتماماً شخصياً بأعمال عنف مشابهة. وقد تأكد هذا الأمر بعد سنتين، في تموز 1954، حين نفذ عملاء الموساد سلسلة من الهجمات بالقنابل على الممتلكات الأمريكية والبريطانية في مصر فيما بات يُعرف "بقضية لافون"، التي أجبرت رئيس الوزراء بن غوريون على الاستقالة.وفي تعليقه على "قضية لافون"، اعترف وزير الدفاع الإسرائيلي اعترافاً غير مباشر بتورط الحكومة الإسرائيلية في الهجمات بالقنابل في العراق: "إن وسيلة تنفيذ هذه العمليات لم تكن مصممة لمصر. فقد تم تجريبها أولاً في العراق" (اقتباس أورده وولفسون، 1980، ص 199). والأعمال المعادية لليهود التي نفذها الصهاينة في محاولة لإرغام الطائفة اليهودية على الهجرة إلى إسرائيل اُصطلح على تسميتها "بالصهيونية المتوحشة". وهذا المصطلح معزو إلى بن غوريون نفسه.ومن الجلي بمكان أن الهجمات بالقنابل جاءت في مرحلة حاسمة، حين بدت عوامل أخرى غير كافية لضمان القيام بهجرة جماعية. لقد أبرزت القنابل كل الأسباب المختلفة للشك والريبة، والخوف، والقلق إلى الواجهة. وقد استلزم الأمر من السلطات العراقية أربعة عشر شهراً لاعتقال الضالعين في الأحداث، وهي مدة طويلة تكفي لتسليط ضغط قوي على الطائفة اليهودية فضلاً عن كونها فترة طويلة جداً بحيث لا يُمكن بلورة تطمين لها. وفي كل مرة تهدأ المخاوف، تأتي قنبلة جديدة لتهز الشعور بالأمان، ولتبدو إمكانية البقاء في العراق أكثر قتامة. ومن ناحية أخرى، فإن القانون رقم (1) لسنة 1950 من المفترض أن ينقضي أجله بعد سنة واحدة من إقراره. وبسبب الضغوط والمخاوف، كان الحد الزمني للقانون الجديد بمثابة محفز للعديد من اليهود بالتعجيل من قرارهم بالمغادرة. وكان معظمهم قد آثروا تأجيل اتخاذ قرارٍ كهذا، كما فعلت الطوائف اليهودية العربية الأخرى على العموم. وكان ثمة اختلاف طفيف يتمثل في أن قانون الجنسية قد تم تمديده لاحقاً، لأن معظم اليهود العراقيين كانوا قد تخلوا فعلياً عن جنسيتهم وكانو إما قد غادروا أو بانتظار الإجلاء. ويبدو واضحاً أيضاً أن الصهاينة اعتقدوا أن الموعد النهائي للقانون رقم (1) لسنة (1950) كان نهائياً، ويبدو أن هذا الاعتقاد أعطاهم الشعور بأنهم يسابقون الزمن. وطبقاً لكوهين (1969، ص 192-193)، كان الصهاينة تواقين لرؤية اليهود العراقيين يغادرون العراق، أو في الأقل يسجلون أسماءهم بغية المغادرة، قبل آذار 1951، أي موعد انتهاء العمل بالقانون رقم (1) لسنة 1950.والموقف برمته يقترب من شيء أشبه بالهستيريا الجماعية. فمع تنامي مشاعر الخوف والقلق التي أحدثتها التفجيرات، كان الموعد النهائي للقانون رقم (1) لسنة 1950 يقترب أكثر فأكثر، وبدا أن الإجلاء هو الإمكانية الحقيقية الوحيدة لأولئك الشاعرين بتنامي الضغط. ولم يشاطر اليهود في عدم حيازتهم لخيار بوقت الهجرة ومكانها سوى يهود اليمن. فقد أظهرت وثائق وزارة الخارجية البريطانية، على سبيل المثال، أن الحكومة البريطانية نصحت مفوضيتها في بغداد بعدم إصدار سمات دخول لليهود العراقيين. واستلزم الأمر أشهر قلائل قبل أن توافق وزارة الداخلية على السماح لثمانين منهم بالبقاء في بريطانيا.ومع فرض الحد الخاص بالعملة ومعارضة الدول الأخرى استقبالهم، لم يكن لجميع اليهود العراقيين ممن تخلوا عن جنسيتهم من خيار سوى الذهاب إلى إسرائيل. وكانت حكومة السويدي تعرف معرفة أكيدة المكان الذي ستتوجه إليه الرحلات. وكان البند الأخير في اتفاقية الإجلاء بنداً شكلياً لتجنيب السلطات العراقية أي إحراج. ولاحقاً، في آذار 1951، عبَّرت الحكومة عن عدم اكتراثها بالرحلات المباشرة إلى إسرائيل، "طالما أن هذا الأمر لم يكن محط اعترافها كتابياً".وشعر العديد من اليهود أن السلطات العراقية لم تكن قد فشلت في التعامل تعاملاً ناجعاً مع التفجيرات أو إعطاء ضمانات لليهود الراغبين بالبقاء وحسب، بل أنها، بتوصلها إلى اتفاقية الإجلاء مع شركة نيرايست اير ترانسبورت (NEATI)، قد أظهرت للمرة الأولى أنها مستعدة للتعامل مع إسرائيل بمسائل تخص الطائفة اليهودية.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com