منبر المشرق

 

ربيع بلا شمس

عدد المشاهدات   76
تاريخ النشر       20/04/2019 10:39 PM


في العيد تَتجلى كل معاني الفرح أيا كانت مناسبة تلك الفرحة ووفق اي دين أو معتقد أو ثقافة بهجة وسرور تحل بعد طول حزن وصبر وشقاء على أمر ما أو في شأن ما تكريم وتعظيم أو رثاء لحدث ما أو لشخص ما احتفاء بالنجاح والنصر والعلم بالأم والحبيب فعيد الأمم احتفالها بتحرير أراضيها واستقلال أوطانها والعشاق عيدهم عيد القديس فالنتاين وفي الحج عيد التائبين العابدين ولفصل الربيع عيد أيضا عيد يرمز للحرية والحياة عيد المطر والحصاد عيد الشباب والجمال والطبيعة عيد يشق فيه فجر الشمس ثوب سبات ليل شتاء حالك وكئيب فينثر في سماءات الكون ندى الياسمين فتخضر منها الأرواح والأشجار فيعود النبض في قلب الحياة وكما في باقي الأعياد فإن عيد النوروز _ وهذا هو اسمه في الثقافتين الزرادشتية والكردية وبه تبدا اول ايام السنة الشمسية وهو عيد أصيل في موروث تلك الشعوب العريقة الأصيلة الوجود في محيط وحدود المنطقة العربية ونتيجة لتعايشها وانصهارها في المجتمع العربي صار النوروز عيدا وعطلة رسمية في معظم البلدان العربية - كما باقي الأعياد تحكمه مجموعة طقوس وعادات ولديه شعار وشعاره المقدس هو الشجرة لذلك يسمى أيضا بعيد الشجرة وقد كان حقا عيدا للربيع والشجرة ترى فيه بوضوح جمال التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد وطبيعة المدنية الخلابة وخضرة واحة الأخلاق والتحضر تعم أرجاء المنطقة حتى درست معالمه ومفاهيمه وطقوسه وبات عيدا بلا عيد بلا أي أثر يذكر ولا حتى في هامش التقويم السنوي العربي عامة والعراقي خاصة فمنذ بداية خمسينيات القرن الماضي ووقوع الانقلابات العسكرية التي حدثت في أكبر وأهم وأقوى دول المنطقة في مصر والعراق وسوريا حين وصل الضباط القوميون العروبيون الأحرار لسدة الحكم قاموا اول ما قاموا بقطع رأس شجرة النوروز وعاثوا بربيع الأمة الفساد والرعب والخراب لما اقحموا أوطانهم في حروب ومجاعات وقمع وسجون فاحرقوا البلاد والعباد وبنوا فوق أشلاء الوحدة والحرية والاشتراكية قصورهم الفارهة وتحصنوا فيها من وراء خنادق حشدوا فيها الجهل والبارود حتى صارت جمهوريات التحرر والممانعة تلك كالمقابر مقابر إحياء واموات جماعية فآمنت تلك الأمم بموتها المحتوم وان لا ربيع هناك بعد ولا شمس حتى ترآى للبعض هلاله في بغداد في مثل هذه الأيام ولست أدري ما هو سر علاقة الربيع ببغداد؟ فصارت تلك الشعوب اليائسة البائسة تتامله وتنتظر بزوغه واعلانه من جديد عيدا فراحت تتوسله وتصلي له أن يخرجها من بطون حيتان السوء تلك وراحت تقدم له القرابين تلو الأخرى فنذرت له البوعزيزي في تونس ثم سيرت في سبيله قوافل كبيرة من الشهداء في مصر وسوريا وليبيا واليمن والسودان لكن الرؤيا كانت ضبابية رمادية كما في عيد الفطر لم تكن شرعية انقسمت على أثرها الأمة إلى امتين أمة بيضاء وأخرى سوداء فالهلال الذي افرح قلوب العرب كان هلالا كاذبا كان في الحقيقة خنجرا مسموما في يد التاريخ والإخوان المسلمين الإخوان المسلمون (الشيعة والسنة) على حد سواء كان ربيعا كثا اغبر طويل اللحية أشعث الرأس بعين واحدة كان عيدا ملعونا كمنتصف ليلة تمام القمر في مدينة الشيطان خرجت فيها قطعان من المستذئبين المتعطشين للدماء عصفوا بكل ما تبقى من اثار للربيع كريح صرصر جارفة كسيول أفواج جراد متوحش فاقتلعوا الشجرة من جذورها وراحوا يقتلون ويفخخون ويفجرون الأطفال والقطارات والاسواق بلا أي دين أو شرف لتعود المقبرة إلى سابق القفر والوجوم والوحشة التي كانت عليها وها هو اليوم ذا عاد مجددا يوم آخر وربيع جديد عاد منهكا مثخنا بالجراحات والهموم وقد اعيت بساطيل العسكر عاتقه وحفرت صدره سياط الإخوان عاد يختلس النظر خوفا فالعيون الحمراء تترصده في كل مكان قد يحل فينا أو ربما لن يصل ربما لن يعود ابدا لكنني سأبقى في انتظاره انا ومعي كل فراشة ترنو عين الندا محبوسة وسط شرنقة متجلدة سانتظره ومعي كل الثوار الذين نفذت ذخيرة اقلامهم فشحذوا مقلهم بالشوق والأمل سنظل في دربه نحمل معنا كل الاحلام والحكايا والصور سننتظره يقشع عن سمائنا غربان الحرب والموت سننتظره إلى أن يعود يوما بالشجرة إلى أن يعود يوما بالشمس.
علاء عبيد كيطان

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com