ملفات وقضايا

 

قوميو العراق وشبهة الميول الفاشية.. ثلاثينيات القرن العشرين ومطلع أربعينياته عبد الأمير علاوي: الرأي العام العراقي كان مؤيداًٍ لنازية هتلر ليس بسبب محبته لها بل جراء كرهه للاستعمار

عدد المشاهدات   1171
تاريخ النشر       09/05/2019 01:11 AM


الدكتور بيتر فين
ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

طبقاً لكارل مانهايم، فأن علامات معينة كالشعارات، أو الإيماءات، أو الأساليب تكون ذات تأثير تكويني أقوى على وعي الجيل مما للمضامين الحقيقية التي تكمن خلفها. ولذا، فإن معاملة معينة للموضوعات المفضلة في الجدال شكلت واسطة لتبلور روح الجماعة. وبالنسبة للأفندية الشباب العراقيين، فأن موضوعاً كهذا يُعد بمثابة رغبة بالتغيير، وجد تعبيره في خيال زعيم عظيم. وكان الموضوع مهماً للغاية في الصحافة القومية لذلك الزمان. ويبدو، على سبيل المثال، أن رؤية بطي العالمية استندت إليه. وإلى حدٍ ما فأن مذكرات بطي تعد مجموعة من الاقتباسات المأخوذة من دفتر تدوين مذكراته اليومية. فقد قام بتدوين اقتباسات من قراءاته والحكم البليغة التي وشحت تجربته الحياتية . وثمة اشارة في هذه المذكرات إلى فكرة نيتشه "الإنسان الأعلى" الذي رفعه طموحه فوق الناس الذين يتوجب عليهم خدمة "الزعيم" العظيم وان يكونوا ادواتاً لتحقيق أهدافه. كان تلقي بطي لنيتشه سطحياً. فطوال مذكراته، لم يؤكد سوى على فكرة الإنسان الأعلى. ومع ذلك فأنه لأمر مغرٍ أن نرى ميولاً مؤيدة للفاشية في خياله للجماهير التي تُظهر الولاء والطاعة لشخصية عظيمة الشأن. ومهما يكن من امر، فليس ثمة اشارة مباشرة مهمة للفاشية في ذلك السياق، وبدلاً من ذلك تمثل أنموذج بطي الرئيس للزعامة الحقة بمصطفى كمال أتاتورك. وكان يعتقد اعتقاداً جازماً بان تركيا بوصفها بلداً مسلماً شرق أوسطياً مثلت أنموذجاً للمثقفين العرب. ولحذو هذا الأنموذج، ينبغي عليهم ان يوجهوا بلدانهم نحو يقظة حقيقية في السياسة والمجتمع بغية تحقيق حياة متحضرة. ولذا كان نهج بطي لاستيعاب المبادئ الشمولية متناقضاً، فمن ناحية، كان يتوق شوقاً لزعيم خيّر، بيد أن هذه الفكرة لا ترتبط بالقوة والروح العسكرية. فقد توقع بزوغ زعيم يشرع بانجاز نهضة روحية للعرب على المستوى المدني بغية بلورة حياة متحضرة لهم. وقد ساند روفائيل بطي حركة الفتوة العراقية، أيضا. فقد عدّ الفتوة، على نحوٍ تلقائي في 1935، بوصفها خطوة أولى لتأسيس منظمة "لفتيان الزعيم". وهذا الزعيم ينبغي ان يسيطر على الشؤون العراقية عن طريق حزب عام وشمولي. وذات مرة، قال بطي في كلمة برلمانية ،"أنني أؤمن بنظام القوة". وتوسع في حديثه ليذكر "لو أسس المثقفون الشباب حزباً شمولياً للسيطرة على مشاعر الشعب لاستفاد منه البلد". فمعظم "الكبار" لم يعرفوا المعنى الحديث للدولة. ولذا، دعا بطي إلى ثورة "للشباب" لإلغاء دور"الكبار" الذين لم يكونوا قادرين على التصرف إلا وفقاً للقوة وأحيانا على نحوٍ مغاير لمصلحة الشعب. والاصطلاح الذي استخدمه "للكبار" هو"المقدسون"، في إشارة إلى جيل القادة الشريفيين الكبار: مقدسون ولكن دون مرونة. وتذمر بطي من إن الشباب لم ينجحوا قط في تشكيل منظمة عاقدة العزم على غرار منظمة الشباب الياباني التي أشار إليها. وقدم وصفاً لكيفية إن تقدير الخدمة العامة قد تنامي بين الشباب. فعلى سبيل المثال، أسس طلبة كليتي الطب والحقوق ناي الشباب في 1936. ومهما يكن من أمر، فأن النادي كان محط جذب طلبة هاتين الكليتين حصراً وتم حله في 1939. وعزا بطي ذلك إلى أن الرأي العام في العراق كان قد قمع الشباب العراقي في حين ظلت الأحزاب السياسية جاهلة بدوافعهم. وكان الشباب منقسمين، فالجميع يسعى وراء معتقداته ومصالحه. فالمثقفون، على شاكلة بطي، أرادوا زعيماً حقيقياً لملء هذا الفراغ في الزعامة الوطنية. وقدمت الأمم التي تمثل أنموذجاً أمثلة للقادة الذين كانوا قادرين على توحيد شعوبهم لتحقيق هدف مشترك. وتمثلت الإشارات البارزة للزعامة في مصطفى كمال أتاتورك، ورضا شاه، وفي المستوى الثاني، موسوليني وهتلر. وكانت نماذج الدول المجاورة أكثر شعبية بكثير، بسبب الشكوك من إن الزعماء الأوربيين سيظُهرون وجههم الامبريالي في نهاية المطاف. وقد نشر يونس السبعاوي مقالة في صحيفة (العالم العربي) في الحادي والثلاثين من تشرين الأول 1931 عقد فيها مقارنة بين الحركة الفاشية في إيطاليا واليقظة الكمالية في تركيا وقد فضل الثانية على الأولى، كما يلاحظ كاتب السيرة الذاتية. وكتب السبعاوي أن النهضة القومية الايطالية كانت موصوفة بالأنانية وحملت أثام العالم القديم. وأشار السبعاوي إلى حقيقة إن الفاشيين لم يترددوا في انتهاج الوسائل الأكثر قسوة للاستعمار في طرابلس. فالرضا المتأتي من النهضة الايطالية كان سيتنامى لو أنها احترمت مشاعر الأمم الأخرى ومدت يد العون إليها للتحرر من عبء الاستعمار. وعلى النقيض، وجد السبعاوي أن النهضة التركية أكثر أرضاءً. فقد تحققت دونما اللجوء إلى العدوان وكانت متوافقة مع ميولها الطبيعية. وهذا الأمر منع الأتراك من ارتكاب الجرائم نفسها التي ارتكبها الايطاليون. ما هو موقف الأفندية الشباب فيما يخص الفاشية؟ بالتأكيد، فأن الدول الفاشية برؤيتها الثورية والفاعلة قدمت أنموذجاً ناجعاً لكيفية تحدي السلطات القديمة. ففي حين ربط المثقفون الشباب بريطانيا وفرنسا بالنخب القديمة في بلدانهم، فأنهم عدّوا الفاشيين قوة أغضبت بريطانيا وفرنسا بوصفهما قوتين قديمتين. ولذا اكتسبت هذه الحركات في ألمانيا وايطاليا تعاطفاً في العراق ولكن لمجرد أسباب داخلية. وقد وصف عبد الأمير علاوي المناخ السياسي خلال الفترة التي تخرج فيها من الكلية الطبية وأكد أنها تعود إلى وقت ظهور هتلر بوصفه زعيماً نازياً في ألمانيا. وأدعى أن الرأي العام العراقي كان مؤيداٍ للنازية ،"ليس بسبب محبته لها بل جراء كرهه للاستعمار. وقد تخرج علاوي من الكلية في 1933، حين كانت المشاعر المعارضة للبريطانيين قوية على نحوٍ استثنائي بسبب معاهدة الاستقلال المبرمة مؤخراً. وقد عُدت المعاهدة إذعانا للهيمنة البريطانية على البلاد. ولذا عدت وجهة النظر العراقية ألمانيا بوصفها بديلاً. ومن الأهمية بمكان أن علاوي أدرك أن ألمانيا تعد فعلياً عدواً لبريطانيا حين تسلم هتلر السلطة. ولم يكن موقف النظام الألماني الجديد واضحاً بعد في هذا الوقت. ولذا، فمن المحتمل أن هذا التعاطف العام تجاه ألمانيا القوية استند إلى أرث الحرب العالمية الأولى حين كانت ألمانيا حليفاً للإمبراطورية العثمانية. ولذا، بدت ألمانيا معارضاً طبيعياً للبريطانيين. وكان التعاطف مع النازية مجرد تعبير عن المشاعر المعادية لبريطانيا في المواجهة المتصاعدة للقوى المؤيدة لبريطانيا والمعادية لها. ولم يكن لها صلة بالإيديولوجية في ذلك الوقت. وتقف سطحية تصريح علاوي المؤيد للنازية في تناقض صارخ مع وصفه لصداقته مع الدكتور ليدرر، وهو طبيب اطفال نمساوي يهودي، كان قد فر من النمسا في 1938. وكان واحداً من ثلاثة أطباء يهود قدموا إلى العراق. وكان ليدرر بروفيسوراً في طب الأطفال في جامعة فينا. وهو مسيحي ولكن بأصل يهودي. وفي مذكراته، يستذكر علاوي الدكتور ليدرر بأقصى درجات العرفان. فقد كان معجباً به لمعرفته الواسعة بوصفه طبيباً للأطفال وشخصيته المهذبة والمثقفة. ويستذكر العديد من البغداديين ممارسته لهوايته بعزف الموسيقى في داره أو دور أصدقائه. وقد عمل ليدرر في المستشفى التعليمي في بغداد. وعمل في المستشفى الملكي، الذي كان صائب شوكت مديراً له في ذلك الوقت . وأصبح علاوي مساعداً لليدرر، وامسى النمساوي بمثابة الأب بالنسبة له. ومال علاوي إلى قضاء وقت فراغه بالتسلية بعد مشاق العمل، لكن ليدرر علّمهُ درساً بالصبر والجلد، فضلاً عن العديد من المهارات الأخرى. وقد أنارت هذه الدروس طريق علاوي في حياته المهنية المستقبلية. وحين فرَّ ليدرر من النمسا أثر استيلاء النازيين على بلده، ترك زوجته وابنته. ولم يسمع قط أية أخبار عنهما. ونتيجة لذلك، أقدم على الانتحار في 1941. وثمة تعارض  صارخ بين اعجاب علاوي بالنازية والحزن حيال الرجل الذي كان قد عانى كثيراً من الاستبداد النازي. وفي العام نفسه،1941، العام الذي شهد موت ليدرر، كان علاوي متحمساً حول إمكانية التحالف بين العراق وألمانيا. وطبقاً لعلاوي، فأنهم (ويعني على الأرجح الأطباء في المستشفى) كانوا قد تابعوا تطور النازية ونجاحها في ألمانيا باهتمام بالغٍ، وكان الشعور العام لصالح الألمان حين اندلعت الحرب العالمية الثانية. وقد شجعهم صائب شوكت على تلقي دروس خاصة باللغة الألمانية في المستشفى الملكي. وقام فرج الله بإلقاء هذه الدروس بعد ساعات العمل في غرفة من غرف المستشفى، ولكن لم تُلقَ عليهم سوى أربعة دروس. وقد وضع اندلاع الحرب حداً لهذه الدروس. وهذا الرقم الصغير يشير إلى أن الدروس لم تبدأ إلا بعد الانقلاب، الذي أوصل رشيد عالي الكيلاني والرباعي الذهبي الى السلطة. وعلى  نحوٍ واضحٍ، لم يُدرك علاوي أن محبته لليدرر ووجهة نظره المؤيدة للألمان كانتا متعارضتين. وفي سياق متسلسل زمنياً، لا بُدَّ ان احداث حركة رشيد عالي الكيلاني وانتحار ليدرر كانا وثيقي الصلة ببعضهما. وحتى في مذكراته، لم يقم علاوي ببيان الصلة بين الحدثين..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com