ملفات وقضايا

 

قوميو العراق وشبهة الميول الفاشية.. ثلاثينيات القرن العشرين ومطلع أربعينياته القوميــــة في العــــراق كانت معاديــــة للاستعمــــار ومؤيدة للغرب

عدد المشاهدات   504
تاريخ النشر       13/05/2019 02:54 PM


الدكتور بيتر فين
ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

قدمَ لودفيج نابليون بوصفه قومياً كورسيكا معادياً للفرنسيين على نحوٍ تام حيث لم يُقمع إلا بالاستناد الى قوة مادية. فقد كان ارفع منزلة معنوياً ممن كانوا ارفع منزلة منه اقتصاديا. وطبقاً لنابليون الذي قدمه لودفيج في السيرة الذاتية، كان القومي نابليون مؤهلاً للدفاع عن نفسه بكل السبل المتاحة. ولذا، فثمة قومي عراقي كان بإمكانه أن يعد نابليون بوصفه ضحية أخرى للامبريالية الفرنسية. وفي اقتباسٍ آخر، أوضح أمبراطور المستقبل أنه يعد الأمر منافياً للمنطق ان تكون الاحاطة بحاكم ملكي مغتصب عملاً أثماً وأكد أن للشعب الحق في التخلص من مقتحم أجنبي (في أشارة الى الفرنسيين).وخاتمة السيرة الذاتية للودفيج تُقرأ ككتيب عراقي لزعيم طموح: ولم يحدث في ألف عام مرة أخرى أن مخلوقاً بشرياً صاغ حياته كما فعل نابليون. واثبت أن الشجاعة والثقة بالنفس، والطموح الجامح، وقوة الإرادة بإمكانها صياغة شخصية كهذه. ولودفيج نفسه يقدم صلة بين زمن نابليون وزمنه. ان الفترة الحالية للثورات ستفتح كل أبواب الفرص على أفضل وجه مرة أخرى. وسيكون نابليون الأنموذج الأكثر روعة لشباب اليوم. وبإمكاننا الافتراض أن هذه الكلمات تركت تأثيراً عميقاً في نفس السبعاوي، ويبدو أن المثقفين العراقيين لم يكن لديهم خيارات تفضيلية في اختيار نماذجهم. وكان بإمكان نابليون أن يقدم أنموذجاً لزعامة فردية وكذا الحال مع هتلر.أن التناقض في استخدام السبعاوي للأمثولات يعد تناقضاً بارزاً. فنابليون كان بالتأكيد ممثلاُ للإمبريالية الفرنسية أيضاً. فهو غازي مصر. وعلى نحوٍ واضح، على المرء أن لا يتوقع المزيد من الترابط المنطقي من قومي متحمس كالسبعاوي في اختياره لمُثله العليا. وتحتوي مذكرات بطي على الإشارة إلى أنموذج نابليون بونابرت بوصفه مثالاً للإنسان الاعلى" والزعيم، أيضاً. واكتسب السبعاوي شهرة من ترجمته الأولى لكتاب هتلر"كفاحي" الى العربية وقد نشره كسلسلة في (العالم العربي) بعد الحادي والعشرين من تشرين الأول 1933 وقام بتشجيع قرائه على تعلم الكثير حول جوهر النازية. وقدم السبعاوي هتلر بوصفه زعيماً سياسياً تعامل مع قضايا سياسية معقدة وواجه ظروفاً صعبة. فبالنسبة إلى السبعاوي، كانت الهتلرية حركة حديثة. وفي ألمانيا، فأن غضب الشباب وعزيمتهم كانتا قد ابرزتا الهتلرية إلى الواجهة. ويفترض السبعاوي أن جوهر حركة هتلر وأهدافها مناسبة للعراق وبقية العالم. وبالنسبة له فأن" كفاحي" كانت قصة مثيرة لمغامر عظيم، الزعيم الألماني الذي ارتقى من مصاف جندي بسيط إلى زعامة شعب ينتمي إلى أكثر الشعوب تقدماً في الثقافة والمعرفة. وفي عيون السبعاوي، تمحورت نازية هتلر حول الزعامة الفردية والحداثة، وحول الشجاعة والمغامرة الشخصيتين. فالسبعاوي أراد العراق أن ينتمي إلى "الشعوب المتقدمة" كما كان يدعوها. أذن، كان هذا الأمر اعترافا مرة أخرى بمشروع التحديث الغربي، برغم كونه مشروعاً شمولياً. وكانت القومية في العراق في الوقت نفسه معادية للاستعمار ومؤيدة للغرب. وقد أُلقي اللوم على سلطة الانتداب البريطاني لإعاقتها تحديث العراق ولبرلته طبقاً "لمشروع التنوير الأوربي". وعُدَّ البريطانيون مستغلين أرادوا الإبقاء على تبعية العراق لهم كي يفيدوا منه بوصفه هدفاً للقومية في العراق". ولذا كان بامكان العراقيين الرجوع إلى مفهوم آخر للتحديث، وهو مفهوم اتسم بالتطور في الإطار الثقافي نفسه بيد أنه كان مختلفاً في مظهره. وكانت للحركات النازية والفاشية في الدول الغربية جاذبيتها من وجهة  نظر عربية معاصرة، لأنها قدمت أنموذجاً ناجعاً في حينه. ولذا فهي لم تكن تحالفاً بين البورجوازية والطبقات المهيمنة الأخرى التي صاغت المقاومة المعادية للاستعمار في العراق. فحسب، بل أنها كانت تغييراً للأنموذج المرجعي تجاه وجهات النظر الشمولية ضمن موضوعة التخلص "الكلاسيكي" من الاستعمار من أجل التنمية والتحديث في الخطاب القومي ولذا، تهيأت الأرضية للتطورات السياسية اللاحقة في الشرق الأوسط أيضا. وبرغم ذلك، كان دور هتلر في ذلك الجدال مجرد دور لفرد عظيم المنزلة. وكانت مضامين إيديولوجيته العنصرية والتوسعية ذات أهمية ضئيلة على نحوٍ واضحٍ بقدر ما نستطيع استنتاجه من المادة الموجودة بين أيدينا  وتبين سيرة السبعاوي الذاتية اهتمام بطلها بالنازية وذلك لقبوله مفهوم الإنسان الأعلى لنيتشه أيضاً. ويفترض انها كانت وراء النزعات الموجودة في بعضٍ من مقالات السبعاوي التي تمجد الموت والتضحية، على شاكلة كتابة عرض لفيلم (كل شيء هادئ في الجبهة الغربية) الذي  ظهر في التاسع عشر من آذار،1931 في صحيفة السياسة (وهي أحدى أسماء صحيفة بطي "البلاد" أثناء فترة حظرها). ولاحظ السبعاوي على نحوٍ ايجابي أن الفيلم يقدم أهدافاً نبيلة للموت. فالمحارب كان فريداً، قاتل ليعيش، وكان متوافقاً مع نظام اجتماعي، وقد تعقب الطرق المقدرة له، فضلاً عن استحسانه لطرق تفكير معينة. وقد اتبع مدارس فكرية معينة لأنه وجدها مناسبة له. ولذا، فأن ميادين المعركة كانت مفتوحة أمامه وشملت جميع الأمم والأعراق. وقد قاتلوا من أجل الدين أو الإيديولوجية بغية تحقيق الأهداف التي آمن بها هذا المحارب . وهذه الأسطر تبين وجهة  نظر السبعاوي تجاه الفردانية. وهي تقع بين اختيار الفرد لإيديولوجية معينة والرغبة بالتخلص من الفردانية بغية تضحية المرء بنفسه والموت من أجل الإيديولوجية. وكانت وجهة النظر هذه مشابهة تماماً لوجهة نظر بطي المتناقضة. وقد عدَّ السبعاوي الفرد بوصفه"رجلاً جديداً" بالإمكان صياغته لينضم إلى جيل جديد بطريقة " مقدرة". ولذا، كان منسجماً مع الأفكار المنتشرة فعلياً في أوربا في مطلع القرن العشرين: لصياغة جيل بدلاً من قبوله بوصفه كياناً معيناً. وكملاحظة جانبية، فمن المدهش أن السبعاوي تجاهل تجاهلاً كاملاً أن الفيلم كان تعبيراً عن اللاعنف، وهو بحد ذاته كان محط خلاف كبير في ألمانيا، على سبيل المثال. أن نماذج القيادة القوية واليقظة القومية زودت العراقيين برمز انموذجي لثورة الشباب على الأُطر القديمة والعنيدة وكانت الدول المجاورة فضلاً عن الدول الفاشية قد قدمت هذه النماذج. ومع ذلك، فقد ثبت أن تكييف النماذج الغربية مع سياق عراقي يعدُ أمراً صعباً. وقد فكر السبعاوي ملياً بهذه المشكلة. ففي مقالة لصحيفة السياسة في العاشر من آذار ،1931، كتب أن الشباب ظلوا لعبة بيد الكتّاب والمترجمين. فأولئك الذين نقلوا الفكر الغربي عانوا من الإرباك. فهم يتقلبون بين الإيديولوجيات. وقد فضل بعضهم كارل ماركس، وفضل البعض لينين أو غوستاف لوبون، أو إيديولوجيات نيتشة المتمثلة بالقوة. ولذا، فقد تضاربت في دواخلهم تيارات الفكر المختلفة وكذا ثقة الشباب بعدهم. ولذا كانت مشكلة التلقي مشكلة استقبال للأفكار على نحوٍ غير مباشر. وكان المترجمون، على نحوٍ  فعلي، قلقين إزاء عملية الاختيار والتقديم فالتشوش قد انتابهم بل انتاب قراءهم على نحوٍ أكبر، وبالتالي، فأن السبعاوي المتلقي وضع نيتشة بعد لينين ليس بوصفه فيلسوفاً بل بوصفه أيديولوجياً بكل معنى الكلمة. وظلت أفكار الفردانية والجمهور غير واضحة. وفي 1937، نشرت صحيفة عراقية ساخرة، حبزبوز، مقال يحمل قصة خيالية على الأرجح، وفيها ألتقى كاتب المقال بالسبعاوي في دمشق. وقد قدم السبعاوي دعوة من الشيوعيين الى كاتب المقال. وفي حقيقة الأمر، كان للسبعاوي اتصالات مع شيوعيين عراقيين أيضاً وكان قد ساند حركة الأهالي في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين. وفي منفاه أثر الإطاحة بحكومة رشيد عالي الكيلاني في 1941، بعث السبعاوي برسالة الى السفارة السوفيتية في طهران مطالباً بدعم القضية القومية في العراق والاعتراف بالحكومة السابقة بوصفها حكومة في المنفى..شش

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com