ملفات وقضايا

 

قوميو العراق وشبهة الميول الفاشية.. ثلاثينيات القرن العشرين ومطلع أربعينياته كان الملك فيصل الأول مستعداً لمنح اليهود حقوقاً متساوية فضلاً عن مطالبته اليهـــود بتسخير مهاراتهم العاليــــة لخدمـــة البلاد

عدد المشاهدات   568
تاريخ النشر       14/05/2019 11:50 PM


الدكتور بيتر فين
ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

كانتْ مدارس الاليانس الإسرائيلية قد شرعت باقامة مدارس في الإمبراطورية العثمانية في ستينيات القرن الثامن عشر. وكانت المدرسة العراقية، التي تأسست في 1865 أول مدرسة حديثة في العراق، وقد استهلت نهضة ثقافية يهودية. وكانت الروابط الطائفية بين اليهود قوية، ولكن عقب تأسيس الدولة العراقية، وضعت المدارس اليهودية تركيزاً أقل على تدريس العبرية، بل أن الموضوعات التي جرى تعزيزها كانت جزءاً من امتحانات الدخول في التعليم الحكومي العالي. ونتيجة لذلك، شكّل اليهود الجزء الأكبر من موظفي الحكومة الجديدة عقب تأسيس المملكة. وقد كتب ابراهيم الكبير، وهو محاسب يهودي في وزارة المالية، أنه في عام 1926 لم يتمكن من أيجاد مسلمين ماهرين على نحوٍ كاف للعمل في دائرته. وقد تشكل كادره من يهود ومسيحيين على نحوٍ رئيس. وفي عشرينيات القرن العشرين، تمتع اليهود بالرخاء في المجتمع على نحوٍ متزايد. وقد عُدّت الصهيونية فكراً معارضاً للوطنية العراقية ولم تتوافق مع نضال اليهود من اجل الاندماج. وقد شجع العراق الاندماج اليهودي، حين كان فيصل الأول مستعداً لمنحهم حقوقاً متساوية فضلاً عن مطالبته اليهود بتسخير مهاراتهم العالية لخدمة البلاد. ونيط مقعد واحد من المقاعد العشرين في مجلس الأعيان بيهودي، وقد ضَمِنَ دستور 1924 المساواة أمام القانون، وحرية العبادة، وتأسيس مدارس للأقليات، فضلاً عن حقوق مدنية متساوية والوصول إلى المناصب الحكومية. وحين دخل العراق عصبة الأمم في 1932، كان على الدولة المستقلة الجديدة ضمان حقوق الأقليات مجدداً. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، نما اليهود بوصفهم أعضاء مندمجين أكثر وأكثر بالمجتمع العراقي. ولم يواجهوا تمايزاً خطيراً فضلاً عن أنهم لم يفكروا في الهجرة، بل أصبح اليهود ضباط جيش وشرطة في الدولة الجديدة زيادة على انخراطهم في أنشطة الصحافة. وبرغم ذلك، بدأ التوتر بالتصاعد مع تنامي قلق القوميين العرب حيال القضية الفلسطينية. ففي أواخر عشرينيات القرن العشرين، أصبحت السياستان الصهيونية والبريطانية في فلسطين موضوعاً كان بإمكان القوميين استغلاله ببساطة لإثارة الغضب الشعبي وتعبئة الشباب لتحقيق أهدافهم الخاصة. وقد أعطى اندلاع الثورة الفلسطينية في 1936 خلال حكم وزارة ياسين الهاشمي في العراق حافزاً جديداً للنشاط المعادي للصهاينة. وقد فسح التسامح التقليدي المجال أمام مناخ من الريبة تجاه اليهود العراقيين. وكان ثمة ميل لطمس التمايزات بين اليهود والصهاينة. وفي 1935، أسس قوميون عرب بارزون لجنة الدفاع عن فلسطين، التي كان لها ارتباطات وثيقة مع نادي المثنى وجمعية الجوال. وقد شهد القومي العربي الفلسطيني محمد عزة دروزة هذا المناخ الجديد في زيارة له إلى بغداد في تشرين الأول 1937. وقد دّونَّ في دفتر مذكراته اليومية أن بعض الشباب العراقيين ألقوا خطباً خلال احتفال في نادي المثنى أحيوا فيها ذكرى بدء الثورة الشريفية في الحجاز. وألقى أحد الشباب قصيدة تتسم للحيوية أشار فيها إلى الأنشطة الاقتصادية لليهود في العراق وإلى المكائد الضارة التي يخططون أليها. وقد لمحت ملاحظات دروزة أن الساسة ناقشوا القضية الفلسطينية في إطار "مشكلة يهودية" عالمية المدى. وهذا الاصطلاح تم تبنيه في المناقشات التي كانت جارية حيال فلسطين في عصبة الأمم. كل هذا مضافاً إلى المشاق المتزايدة لليهود العراقيين قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها. و مع ذلك، فأن هذا المشاق لم تصل إلى مستوى الإقصاء العرقي لليهود من الحياة العامة، كما نرى. دخل أنور شاؤول مدرسة الإليانس في بغداد في خريف 1918 بعد أن كان قد أنضم إلى مدارس دينية عدة تلقى فيها التعليم على يد مدرسين يهود. وكان هذا الأمر اكتشافاً تنويريا بحق بالنسبة له: وكتب أن المدرسة "احتضنته، وعلّمته، وثقفته". وقد اكتشف نماذج شامخة لانتصار الحق، والتأكيد على العدل، ومحبة الحرية. ولذا، فقد توصل إلى استنتاجٍ مفاده إن المدرسة كانت قادرة على خلق مواطن عراقي حقيقي منه، ويهودي مخلص فخور بيهوديته. والنقطة الأخيرة تميزه عن إقرانه غير اليهود من المثقفين العراقيين. فالسبعاوي وبطي، على سبيل المثال، كانا نتاج نظام التعليم الحكومي القومي المؤسس في عشرينيات القرن العشرين. وبرغم إن مدرسة الأليانس انتهجت نهجاً عربياً أقوى مما كان عليه الأمر قبل عشرينيات القرن العشرين، فأنها ما انفكت تركز تركيزاً رئيساًَ على الطائفة اليهودية ومضت في تعزيز الشعور بالهوية الطائفية. ومع ذلك، فإن إعداد المثقفين الشباب على شاكلة أنور شاؤول قد تزايدت. وقد لعبوا أدواراً مهمة ضمن الطائفة، إلى جانب الأثرياء والوجهاء من اليهود. ومضى المثقفون أبعد من حدود الطائفة. فشاؤول كان على تماسٍ وثيقٍ بالسبعاوي وبطي. وكان السبعاوي زميلاً في صفه حين أنضم شاؤول الى كلية الحقوق في 1928. وحين كان بطي في السجن في 1930 ذهب شاؤول لزيارته ونشر تقريراً موسعاً عن ظروف زميله الصحفي خلف القضبان. وينتمي شاؤول إلى (الجيل ـ الموقع) نفسه، بيد أن هناك اختلافاً ملحوظاً في المذكرات والسيّر الذاتية لأبطالها: كان شاؤول بسن بطي تقريباً، وحصل على نمط التعليم نفسه الذي حصل عليه كبة، وكان تعليماً طائفياً إلى حدٍ ما وعاماً بعض الشيء. وبوصفه صحفياً، كان شأنه شأنهم يزاول المهنة نفسها. وقام أيضاً بالتدريس في المدارس. وبرغم ذلك، لم يضم كتابه ملاحظات حول وحدة الجيل بين الشباب العراقيين مقارنة بزملائه غير اليهود، مع انه أشترك في التجمعات القومية ملقياً فيها شعره. وخلال هذه الأحداث أصدر عبارات واضحة عن الإخاء والتسامح، على سبيل المثال خلال مراسم الحداد على رئيس الوزراء السابق عبد المحسن السعدون في مسجد الكيلاني في تشرين الثاني 1929. وكان تعبير "الولاء الوطني" الذي أستخدمه شاؤول مترابطاً ترابطاً وثيقاً مع التنوع الطائفي. فبالنسبة له، فإن مستلزمات الوحدة الوطنية التي تكمن في التسامح بين الطوائف المعزولة، تختلف عن مطالب بطي والسبعاوي بضرورة وحدة الجيل للتغلب عن الانقسام عبر انتهاج مسار عروبي  مشترك. وقد أكد شاؤول على التنوع في وصفه لمراسم الحداد التذكارية على روح السعدون. وثمة اثنان من الحضور عبرا عن دهشتهما من اشتراك شاعر يهودي في مراسيم الحداد مستخدماً لغة الضاد. وفي واقع الأمر، رفض العديد من اليهود مزاعم أبناء وطنهم من أنهم مؤيدون للصهاينة. ففي صيف 1938، أصدر العديد من اليهود العرب تصريحات تدعم فلسطين العربية. وظهرت مقالات في الصحف العراقية والمصرية تشجع اليهود على دعم العروبة والقتال ضد الصهاينة. وقد شجع أنور شاؤول نفسه اليهود في دول عربية أخرى على إصدار تصريحات مشابهة. وفي يوم فلسطين المحتفى به في العراق، أرسلت مجموعة من الأطباء والمحامين العراقيين إعلاناً إلى الصحافة أعلنوا فيه بوصفهم يمثلون الشباب اليهودي العربي أنهم يدعمون قضية الشعب الفلسطيني في البلد الشقيق. وهذا التعبير عن الحس العروبي يعدُ أكثر من كونه ولاءً كلامياً براغماتياً كاذباً لإرضاء أذان القوميين العرب المسلمين. ولذا، فعلى الأرجح تحسس بعض الشباب اليهودي مفهوم الولاء الجيلي، أيضاً، برغم انه بدا دفاعياً أكثر فأكثر في طبيعته..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com