ثقافة

 

جون برجر في كتابه «طرق الرؤية»: الصورة أكثر دقـّة وغنى من الأدب

عدد المشاهدات   68
تاريخ النشر       15/05/2019 12:09 AM


مروان ياسين الدليمي
نحن محاطون بالعالم، والكلمات تمنحنا الفرصة لفهمه واستيعابه، ولكن تبقى العلاقة بين ما نرى وما نعرف لم تحسم بعد. في دورة الحياة اليومية نرى الكثير من المظاهر تتكرر وتضيف إلى ذاكرتنا معارف جديدة، ونسعى دوما إلى توصيف ما نراه، وهذا يعني أن هناك الهوة بين الرؤية كفعل والمعرفة، باعتبارها خبرة متراكمة ما زالت قائمة، وتحتاج إلى أن تردم بالكلمات والألوان والأنغام، وبكل الصور التي تنتهجها مخيلة المبدعين. وهنا يشير جون بيرجر مؤلف كتاب «طرق الرؤية» الصادر عام 2018 عن دار المدى إلى أن الطريقة التي نرى بها الأشياء تتأثر بما نعرفه ونؤمن به، بمعنى أن الرؤية تنهل من المعرفة مساراتها، ولن تكون منفصلة عما نحمله من أفكار مسبقة، ويضرب مثالا على ذلك، عندما يؤمن إنسان العصور الوسطى بالوجود الفيزيولوجي لجهنم، فإن رؤية النار ستعني بالتأكيد شيئا مختلفا عما تعنيه اليوم، ومع ذلك فإن فكرته عن جهنم تدين بالكثير لرؤيته النار النهمة، وبقايا الرماد إضافة لتجربته آلام الحروق.

الصورة طريقة رؤية
هنالك أشياء معينة ننظر إليها يوميا في البيت، وفي مسارنا الروتيني إلى العمل، ولا نمل من النظر إليها مئات المرات، فهل نحن في هذه الحالة ننظر إلى شيء واحد؟ هنا يرى بيرجر أن فعل النظر في جوهره يعني النظر إلى العلاقة بين أنفسنا والأشياء، لأن الرؤية ليست خاملة بفعل التكرار، إنما فاعلة على الدوام ودائمة الحركة، تحتفظ على نحو متواصل بعلاقة مع الأشياء في دائرة حولها، وهذا التفسير يصل به إلى أننا نحاول أن نصوغ حاضرنا، وفور تمكننا من الرؤية فإننا ندرك أننا مرئيون أيضا، تندمج عين الآخر مع أعيننا بما يضفي مصداقية كاملة على كوننا جزءا من عالم مرئي، وهذا تأكيد على تبادلية العلاقة في الرؤية وأنها أكثر أصالة مما هي عليه في الحوار الناطق، فعلى سبيل المثال إن قبلنا أن بمقدورنا رؤية تلك التلة هناك، فإننا نقدم إمكانية أن نُرى من تلك التلة، والحوار من وجهة نظره غالبا ما هو إلاّ توصيف، ومحاولة لشرح الكيفية، سواء مجازيا أو حرفيا، فأنت ترى الأشياء ومحاولة اكتشاف كيف يرى هو الأشياء، ليصل المؤلف في جهده إلى أن المعنى الذي تستخدم فيها الكلمة في هذا الكتاب يقول لنا أن كل الصور من صنيع الإنسان، فكل صورة هي نظرة أعيد خلقها أو إنتاجها، إنها ظهور أو مجموعة من التمظهرات اقتطعت من المكان والزمان، وقد ظهرت وحُفظت فيهما لبضع دقائق أو بضعة قرون، كل صورة تجسد طريقة في الرؤية، بما في ذلك الفوتوغراف، ذلك أنه ليس تسجيلا ميكانيكيا، كما يعتقد غالبا، ففي كل مرة ننظر فيها إلى صورة فوتوغرافية فإننا نعي مهما كان ذلك ضئيلا، أن المصور اختار المنظر من بين عدد لا متناه من المناظر الأخرى المتاحة، وهذا حقيقي أيضا بالنسبة لأكثر الصور العائلية عادية، ويضيف في إطار رؤيته لعمل المصور الفوتوغراف أن طريقته في الرؤية تنعكس في اختياره الموضوع، وعلى العكس منه الرسام، لأنه يعيد تكوين طريقته في الرؤية بواسطة العلامات التي يصنعها على القماش أو الورق. ورغم أن كل صورة تجسد طريقة رؤية، إلا أن إدراكنا أو قبولنا لها يعتمد أيضا على طريقتنا في الرؤية، فعلى سبيل المثال قد تكون المرأة «س» شخصا واحدا من بين عشرين، ولأسبابنا الخاصة فإن أنظارنا معلقة بها تحديدا. يجد في الصورة دقة وغنى أكثر من الأدب، وفي الوقت نفسه هذا لا يعني من وجهة نظره إلغاء السمة التخيلية للفن، والإبقاء على النظرة التوثيقية، بل يجد أن التخييل يوفر فرصة ثمينة لكي نتشارك بعمق مع الفنان في تجربته.

استحضار شيء كان غائبا
يعلق جون بيرجر أهمية كبيرة على الصورة، أكثر بكثير من النص، وأي أثر آخر في تقديم شهادة عن العالم المحيط بنا، وعن الماضي وعن أناس آخرين عاشوا في أزمنة أخرى، ويجد في الصورة دقة وغنى أكثر من الأدب، وفي الوقت نفسه هذا لا يعني من وجهة نظره إلغاء السمة التخيلية للفن، والإبقاء على النظرة التوثيقية، بل يجد أن التخييل يوفر فرصة ثمينة لكي نتشارك بعمق مع الفنان في تجربته. وبناء على ذلك يطرح تساؤلا عن السبب الذي لأجله صنعت الصورة؟ ويرى الإجابة يمكن العثور عليها في محاولة الإنسان استحضار شيء كان غائبا، وبالتدريج بدا واضحا أن بمقدور الصورة أن تديم ما تمثله، كما أنها تظهر الهيئة التي كان عليها شيء ما أو أحد ما، بالتالي فقد تضمنت الصورة في حيثياتها الكيفية التي رأى فيها الآخرون الموضوع ذات مرة، على اعتبار رؤية صانع الصورة جزءا من التسجيل، أي أن الصورة بوصفها تسجيلا للكيفية التي رأى فيها المصور الشيء، ويرى أن ذلك نتيجة لتزايد الوعي بالتاريخ.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com