ثقافة

 

التواطؤ السردي في القصة القصيرة( ايلو) لعبد الحق فاضل

عدد المشاهدات   88
تاريخ النشر       15/05/2019 12:09 AM


نادية هناوي
للشخصية مكانة مهمة في عالم السرد، ولكل شخصية وضعية لسانية يحددها مرجع تعبيري وينجزها فعل كلامي معين، بيد أن هذا المرجع وذاك الفعل ليسا كفيلين بأن يجعلا الشخصية هي القضية السردية. والسؤال الذي يطرح هنا هو، كيف يمكننا أن نحيل الشخصية القصصية إلى قضية سردية؟
لتودوروف في كتابه «مفاهيم سردية» رأي مهم يربط فيه القضية السردية بما سماه (وضعية الخطاب) وهو مفهوم اجــــترحه وقصـــد به مجموعة الظروف التي يجــري فيها فعل التلفظ، أي المحيط الفيزيائي والاجتمـــــاعي، الذي فيه يأخذ هذا الفعل مكانه. وأساس هذه الاهتمام عند تودوروف نابع من كون فعل التلفظ هو الأداة اللسانية القادرة على تشكيل الصورة التي فيها تتجلى هوية الشخصية واختلافها عن الشخصيات الأخرى. وواحدة من وضعيات الخطاب التي تحقق وظائفية لسانية للغة السردية هي، السماح للشخصية بأن تسرد بضمير الأنا عن شخصية أخرى في غيابها بطريقة (الحديث عن بعد) بمعنى أن يكون السارد هو الشخصية المتلفِظة بفعل السرد، وإن لم تقم بالفعل ولم تره، ليكون تعبير السارد بلسان الآخر قائما على أساس الاستعارة في صياغة الحبكة. ولن تكون الوضعية اللسانية في مثل هذه الحالات خداعية؛ بل ستكون استقلالية في التعبير عن الفعل السردي. وهذا ما فعله القاص العراقي عبد الحق فاضل في قصته القصيرة «أيلو» التي نشرتها مجلة «الرسالة» المصرية في العدد 679 يوليو/تموز 1946، إذ جعل من شخصية الأم وابنتها أليزا قضية سردية. ومعروف أن عبد الحق فاضل واحد من مؤسسي السردية العراقية، وروايته «مجنونان» من الروايات التي لاقت اهتماما عند نقاد الأدب القصصي في العراق. ولعل امتلاك القاص وعيا خاصا إزاء المرأة وقضيتها التحررية، هو المحفز الأهم في التوظيف الذي جرّبه في قصة «أيلو» ونجح فيه. وفي هذه القصة نجد السارد يتخذ وضعية خطابية مستقلة، كونه يدرج نفسه في فعل السرد مستمعا ومالكا للخبر حسب؛ ناقلا الحادثة لنا عن الشخصية المسرودة (الأم) مرة بأسلوب الحوار بضمير أنا الراوي الغائب، ومرة أخرى بطريقة السارد العليم، ليكون المتحصل الوظائفي من وراء ما تقدم، أن تغدو وظيفة السارد تلميحية، بينما تكون وظيفة الشخصية إنتاجية ضمن استراتيجية سردية مشتركة تقوم على أساس تواطؤ المتحدثين المختلفين سرديا. ومن خلال مبدأ (التواطؤ السردي) يتمكن القاص لسانيا من تجسيد وعيه النسوي تجسيدا فنيا. والطريقة التي بها يمارس السارد وضعية الخطاب المستقلة هذه هي، تكراره عبارة تفيد بأنه لم ير أليزا ولم يعرفها، ولكنه يتعاطف معها، ومما يبرر مهمته السردية استعماله الجملتين «حدثتني عنها» «سردتْ قصتها» اللتين بهما تصبح الشخصية (الأم) هي الفاعل السردي في القصة جاعلة السارد مجرد مستمع لها. ولكي يدلل السارد على نفسه بنفسه ناطقا باسم الشخصية، فإنه يستعمل وضعية الخطاب المتواطئ مع الأم، بطريقة لسانية لافتة للنظر، تبدأ بعرض مأساة هذه الأم التي فقدت طفلتها أيلو أو أيلا أو أليزا، بعد أن أضنتها غيرتها حتى أنهت حياتها مبكرا. وتجعلنا هذه الوضعية الخطابية ـ التي فيها السارد مجرد ناقل عن مسرودة لم يرها، ولم يعرف ملابسات موتها ـ نتساءل كيف إذن سيسرد قصتها؟
الجواب أنه سيقوم بإعطائنا أولا أوصاف الطفلة الجسدية، وما كانت عليه من جمال أخاذ وفتنة جاذبة جمعت معها التعقل والتوقر، وهي لم تبلغ الخامسة من عمرها. ثم يدخلنا إلى لب الحبكة التي فيها تتغير حياة أيلو حين تكشف لنا الأم أنها أنجبت بعد أيلو ولدا ليكون الأخ الاصغر واسمه (وديع) سبب التأزم والغيرة الكبيرة التي تعتور أيلو. وتتلمس الأم بوادر الحنق عند أيلو تجاه هذا الأخ، فقد صارت تظهر كرهها له وتغضب منه حين يبكي وحين يصرخ. وهنا ينقل لنا السارد دواخل أيلو بلغة محكية تعبر عن براءة طفولية «أني أحسن منه وعاقلة ونظيفة فلماذا لا تلقونه في الطريق؟» إنه لا يبكي بل يصرخ فقط، ولا تسيل من عينيه دمعة واحدة»، لكن هذا المحكي الطفولي سيضفي عليه السارد وعيا، حين يجعل بعض جمل الطفلة لا تخلو من المنطق، كمجادلتها لأمها حين تطلب منها أن تشفق على الضعاف، مذكرة إياها بالمسيح فترد عليها أن المسيح جميل ونظيف فلماذا يؤْثر القذرين، هذا فضلا عن كونها قد جمعت مع المجادلة الفعل الحسن، كالاستيقاظ المبكر والتنظيف الدائم للبيت مع الاهتمام بنفسها وتزيين ثيابها. ويحتدم الحبك أكثر حين ترى أيلو أخاها عدوا لها، فتتمنى غيابه، إلا أنها لم تكن لتؤذيه، ويزداد ضجرها منه فتشكو للآخرين ظلامة أهلها لها، وكيف أنهم يدللون وديعا أكثر منها. وتصاب جراء ذلك بالكآبة فيذوي جسدها وتذوب كالشمعة المحترقة يوما بعد يوم حتى أن الطبيب يحتار في أمرها. وتكون النهاية غير المتوقعة أن تفاجأ الأم بموت ابنتها غمدا وحسدا وغيرة. وبسبب هول الموقف على الأم، لا يروي السارد لنا هذه النهاية بأنا الراوي الغائب، وإنما يرويه بضمير الغائب (هي) كسارد عليم. وبموجب هذه الوضعية الخطابية بين الملفوظ واللافظ يغدو التعبير اللساني (أنا /الآن) مساويا للتعبير بـ(هي/ هنا) ويكون الظرفان الزماني والمكان (الآن وهنا) متقاسمين الضميرين الحاضر والغائب (أنا وهي) وقد جمعهما مرجع إشاري واحد موضوعه حدث التلفظ الذي هو (موت الطفلة أيلو). وما بين المتحدث الذي يتلفظ (السارد العليم الذي سمع) والمتحدث إليها المتلفظ بالنيابة عنها (الشخصية التي شاهدت) يكون زمن التلفظ في وضعية تقابل نسبي بين المتحدث المستقل عن الحادثة الذي يمارس فعل الكلام والمتحدث المعايش للحادثة الذي هو في مقام المتكلم. وتنتج عن هذا التقابل حركية لسانية تتم بالانتقال من التي تحدثت (الأم) إلى الذي نُقل إليه الحدث (السارد العليم) وفي اتجاهين الأول يمثله ما سمعه السارد والثاني يمثله النقل لما كانت الشخصية قد عايشته، وهذا ما يجعل خطاب السارد وكلام الشخصية متشابهين. وبهذا يتعزز أكثر تواطؤ السارد مع الشخصية في قضيتها السردية، حين ينتقل من وضعية الخطاب بضمير الغائب إلى وضعية الخطاب المشترك «وجدناها ذات صباح جثة هامدة في فراشها شاخصة إلى الأرجوحة ببصرها كما يشخص القتيل ببصره إلى القاتل». ما النهاية المأساوية لأيلو سوى ترميز أليغوري إلى مقدار الظلم المجتمعي الذي تكابد الأنثى ويلاته، ممثلا بالعائلة التي ما أنصفتها حين جعلت منها ضحية لتطلعاتها أولا، وبالمجتمع حين تنكّر لكينونتها مانحا الذكر دور الجلاد الذي يقمع تلك الكينونة. ومن تبعات هذا التشابه اللساني أن يغدو السارد نصا والشخصية واقعا، ضمن وضعية خطاب إيهامي، أهم غاياته تحقيق تركيبة لسانية تجعل الشخصية هي القضية السردية التي فيها يتجلى المحمول الدلالي لتكون هي الفاعل السردي الذي ستتحدد بموجبه التصنيفات وتتوضح من خلاله العلاقات. وهذا التلاقي بين أسلوبية التواطؤ السردي ولسانية وضعية الخطاب، يجعل أيلو معادلا رمزيا للأنثى التي تجاوزت الطفولة ودخلت مرحلة جديدة شعرت عبرها بالمقت للآخر/ الذكر ندا وغريما مع أنه هو الأخ والعضيد. وليس اختيار القاص لاسم (وديع) وجعله صغيرا اعتباطيا، بل هو مبني على قصدية منطقية مفادها أن الرجل ليس هو سبب مشكلة المرأة في مطالبتها بالمساواة معه، لكن السبب هو المجتمع بعاداته وتقاليده التي موضعت المرأة في خانة جعلتها معطلة عن أداء دورها الطليعي في الحياة. وما النهاية المأساوية لأيلو سوى ترميز أليغوري إلى مقدار الظلم المجتمعي الذي تكابد الأنثى ويلاته، ممثلا بالعائلة التي ما أنصفتها حين جعلت منها ضحية لتطلعاتها أولا، وبالمجتمع حين تنكّر لكينونتها مانحا الذكر دور الجلاد الذي يقمع تلك الكينونة. وهذا هو سبب الشعور الأنثوي بالحقد والحسد ومكمن الشعور الذكوري بالجبروت والشموخ. وهكذا ماتت أيلو وهي تعتقد أن وديعا هو مشكلتها والحقيقة ليس وديعا ولا الطبيعة، وإنما هي الأسرة والمجتمع وتمركزهما الأبوي. وطبيعي أن تكون النهاية المتوقعة مفجعة في ظل أجواء كهذه تصادر مشاعر الأنثى وتقف ضدها، وكأن ما تريد المرأة تحقيقه لنفسها في هذا المجتمع سيذهب هباء منثورا «ماتت شهيدة بطلة بعد أن ناضلت وجاهدت وأبلت أحسن البلاء وحيدة لا معين لها ولا نصير، شجاعة صابرة لا يعروها ضعف ولا جزع، ولا ينال من بشاشتها أو يخرجها من سجيتها خور ولا قنوط، حتى خذلها الأهل وعز النصير وأنهم لم ينصفوها ويقدرونها قدرها على حال، فألقت سلاحها وانسحبت من الميدان في إباء وحسرة وسكون»، بهذا الوعي النسوي الذي امتلكه عبد الحق فاضل يتضح لنا مغزى الإنتاج اللساني الذي جاء في متتالية من الجمل، مضطلعا بالتعبير عن قضية مهمة وشائكة ضمن ظروف زمانية ومكانية محددة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com