ملفات وقضايا

 

قوميو العراق وشبهة الميول الفاشية.. ثلاثينيات القرن العشرين ومطلع أربعينياته اليهــــــود كانوا متواجدين في أوساط القوميين العرب العراقيين في ثلاثينيات القرن العشرين

عدد المشاهدات   1086
تاريخ النشر       15/05/2019 10:58 PM


الدكتور بيتر فين
ترجمة: مصطفى نعمان أحمد
لم يَشعر المثقفون اليهود بالضرورة بوجود مسافة تبعدهم عن أوساط القوميين العرب المسلمين. ففي تقريره حول الصحافة الثقافية العراقية، ذكر محمد دروزة أن لروفائيل بطي مساعداً يهودياً في صحيفته، يدعى منشي زعرور. وقد اخبر صحفيون عراقيون آخرون دروزة أنهم لا يثقون بمنشي برغم إنه أظهر حماسة جياشة تجاه العروبة والقضية الفلسطينية. وخلال زيارة دروزة لبغداد في 1937، لم يكن بطي صاحب صحيفة البلاد متواجداً في بغداد. ولذا، قرر دروزة عدم زيارة الصحيفة طالما أن يهودياً كان القائم بالأعمال أثناء غياب بطي، لأنه لا يثق بيهودي أياً تكن الحماسة التي يُظهرها. وبرغم هذا فقد نشر منشي بعض المقالات التي كتبها دروزة خلال إقامته في بغداد. وبطي نفسه أورد وصفاً مطولاً لموظفه، الذي كان اسمه الكامل منشي زعرور. وكان قد التقى به في صحيفة  العراق حيث كان يعمل مُنضداً ومسؤولاً عن الإنتاج. ولاحقاً أصبح زعرور مراسلاً للشؤون المحلية والسياسية العراقية، وأخذ يكتب مقالات افتتاحية. وفي 1934، غادر صحيفة العراق بسبب خلافات مع صاحبها على المرتب وفاتح بطي بإمكانية الانضمام إلى  صحيفته. أراد زعرور أن يكون مراسلاً وان يعمل بوصفه سكرتيراً للتحرير. وقد استخدمه بطي للعمل في صحيفته حيث مكث فيها سنتين. ومع ذلك، فبعد أشهر قلائل، ظهرت اختلافات في أرائها السياسية. وطبقاً لبطي، فقد بلور زعرور كراهية شخصية لمديره وفقد كل حس له بالولاء تجاهه. كان زعرور شخصية غريبة. فرغم وضعه المالي المتواضع وظروفه الاجتماعية، فقد كان مولعاً بـإقامة العلاقات النسائية على نحوٍ غير شرعي، لا سيما مع النساء اليهوديات. وبرغم أنه كان يهودياً، فقد أقام علاقات صداقة مع مجموعة من المسلمين المهتمين بالشؤون الإسلامية ("الإسلاميات"). وكان يحضر لقاءاتهم، ويزور نواديهم، ويشاطرهم المشاعر إلى حد أنه تبنى موقفهم وجلبهم إلى الصحيفة. وزعم بطي إن زعروراً كان يتلقى رواتب لقاء الخدمات التي يقدمها إلى الصحفيين الأجانب والمعلومات التي كان يدلي بها عن زملائه. وكان على اتصال بشخصيات متوسطة المستوى، وأوساط، ومجموعات مناهضة للصهيونية، وعمل من أجل الدفاع عن فلسطين، وكان على اتصال وثيق بالعديد من"قبضايات" الأفندية وامضى معظم الوقت معهم. وكان بعضهم يزوره في الصحيفة. وأكد بطي أن سياسته تقضي بعدم التدخل بالشؤون الداخلية لموظفيه طالما أنها لا تؤثر في الصحيفة أو فيه شخصياً. ومع ذلك، كان بطي غاضباً من زعرور لأنه نشر اعتقاداً بان مديره لم يكن مخلصاً للقومية بغية كسب ربح مادي. وكان المقصود من هذا الآمر التأثير في سمعة بطي، وحين استمرت الخلافات، كان على بطي أبعاد زعرور عن صحيفته. وبرغم إن هذا يعد وصفاً لشخصية غريبة بالتأكيد، فأنه يشير إلى كون أن وجود يهودي في أوساط القوميين العرب العراقيين في ثلاثينيات القرن العشرين اثار شكوكاً بيد أن الأمر لم يصل الى حد اقصائه. فالقوميون المتشددون قبلوا وجود زعرور على نحوٍ واضح. وقد عمل لمدة طويلة في صحيفة بطي (البلاد). لكن بطي وجد أن موقفه المعادي للصهيونية بحدة يتناقض إلى حدٍ ما مع خلفيته اليهودية، التي، مع ذلك، لم يكن لها تأثير على علاقاتهما المهنية. واذن، فإن جهود زعرور جعلته كاريكاتوراً لشخصٍ اراد أن ينتمي إلى التيار القومي السائد إلى حدٍ أنه غالى في موقفه.     وبالنسبة لأنور شاؤول، فأن إدراكه لدور الفرد العظيم بوصفه رائد الحداثة كان أساسيا لتفسير النزعات السلطوية للأفندية الشباب. فقد اوجد صلة بين النزعات المؤيدة للنازية وبين عبادة الفرد كما يصورها المثقفون. واكد أنه ناهض على صفحات جريدته (الحاصد) أولئك الذين يسيرون في ركاب الديكتاتوريات، وناهض مفهوم (تأليه الفرد) كما حدث في النظامين الفاشي الايطالي والنازي الألماني. وصاغ شاؤول موضوعات عدة حيال أولئك المتأثرين بالدعاية النازية وأنشطة السفارة الألمانية في بغداد. وكان يكن ازدراءً خاصة لرشيد عالي الكيلاني ويونس السبعاوي. فالأول كان أستاذاً في كلية الحقوق، حين كان السبعاوي وشاؤول طالبين فيها. وقد اتهم شاؤول الكيلاني بالتعصب الأعمى، لأنه كان قد ركز تركيزاً كبيراً في محاضراته في الكلية على أهمية حكم القانون. ومع ذلك، فحين أصبح رئيساً للوزراء في 1941 فأنه خرق القانون وسلك طريق النازية. والأمر نفسه ينطبق على السبعاوي الذي يصفه شاؤول بالزميل الهادئ والدمث. وبرغم ذلك فهو قد كشف شخصيته المؤيدة للنازية حين ترجم كتاب هتلر(كفاحي). وتمثلت الذروة في اشتراكه في حركة رشيد عالي الكيلاني. وذكر شاؤول أسماء أضافية لعملاء مؤيدين للنازية في الصحف. فقد ربط نشاطهم بالسفارتين الايطالية والألمانية، لا سيما المبعوث الألماني فريتز غروبا. وذكر أن لديه مشكلات مع مديرية الصحافة التابعة لوزارة الداخلية حيث نشر مقالات تعارض سياسة القوى الفاشية. وكانت المشكلات ناجمة أحياناً عن تدخل السفارتين. ومع ذلك، لم يقدم شاؤول قط تفاصيل عن أنشطة غروبا أو تأثيرها. وعموماً، فأن الأنشطة المعادية لليهود والمؤيدة للنازية خلال الفترة الموضوعة على طاولة البحث لم يكن لها مجال في سيرته الذاتية عدا تنويه عابر ينسبهم إلى المحتالين والانتهازيين. ولم  يكن هناك سوى أنموذج محمود الوتري، وهو معلم لغة عربية سابق تتلمذ شاؤول على يديه خلال الدراسة الابتدائية في مدرسة الأليانس. ولم يُسمع شيء عنه حتى 1938، حين نشرت صحف بغدادية في أحد الأيام تقريراً في صفحاتها الأولى يفيد بعودة بعثة عراقية يرأسها الوتري من برلين. وقامت هذه البعثة بزيارة المدرسين العاملين في العاصمة النازية وجمعياتهم، استجابة لدعوة خاصة من غوبلز لتعزيز أواصر الصداقة بين الشعبين. وكانت ثمة صورة في الصحف للوتري وهو يصافح غوبلز. ومع ذلك،فمن الأهمية بمكان ملاحظة أن الحدث لم يتسبب بأحداث قلق جاد بين الطائفة اليهودية العراقية. وذكر شاؤول أنها، بدلاً من ذلك، كانت محط تسلية ومزاحا بين أولئك الذين كانوا يعرفون محمود الوتري جيداً. ولذا، فمن القابل للجدال أن فرضية انتشار نفوذ نازي بين السكان غير اليهود لا سيما المزاعم ضد غروباً كانت إلى حدٍ كبير ذات تأثير في فترة ثلاثينيات القرن العشرين. وقد نجمت الصعوبات المتنامية لليهود من القلق المتصاعد حيال القضية الفلسطينية بين القوميين العرب العراقيين وليس من بروز عنصرية على النمط النازي. وغالباً ما ينظر التاريخ الرسمي لثلاثينيات القرن العشرين بوصفها نذيراً لأحداث الفرهود لعام 1941 وقمع اليهود العراقيين في العقود التي تلت 1948. وربما يعكس تقييم شاؤول للمشاعر العامة في العراق هذا التاريخ الرسمي. فعلى النقيض، لم يذكر أية مضاعفات للمشاعر المعادية لليهود في الجيش حين كتب حول تجنيده خلال حرب 1941. وتسلط وجهات نظر ابراهيم الكبير الضوء على موقف عضو في النخبة اليهودية التقليدية. وتقدم مذكراته اجابات على الأسئلة حيال كيفية تعامل هذه النخبة مع "المشاعر المعادية لليهود" المتصاعدة في العراق. وهذا أمر مهم فيما يخص المزاعم بأن العراق أمسى بيئة معادية لليهود في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين جراء التأثير النازي..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com