ثقافة

 

المبدع العربي و شهر رمضان.. خلوات ثقافية وفرصة لزيادة الانتاج

عدد المشاهدات   84
تاريخ النشر       15/05/2019 11:18 PM


علي لفتة سعيد
في شهر رمضان تختلف الأشياء مثلما تخالف الحياة وطبيعتها وسلوكها عند البشر جميعا، فالشهر الفضيل ليس طقوسا للصوم فقط، بل هو مجال للتفكير أيضا في كل الأمور الحياتية والكونية، لكن الفنان والمبدع قد يجد في هذا الشهر سرّا آخر قد يستثمره للإبداع، لأنه سيمضي وقتا أطول في مشغله، أو أنه يجعله شهرا للراحة من مسيرة أشهر عديدة طوال العام الواحد، وربما هو فرصة للتأمل أو فرصة للمزيد من الإنتاج، وهو الأمر الذي تم طرحه على المبدعين العرب على شكل سؤال .. كيف ستقضي أو تستثمر شهر رمضان إبداعيا؟

تورّط المعرفة
الناقد العراقي علي حسن الفواز يقول إن لشهر رمضان خصوصية نفسية وعائلية وطقوسية، تنعكس على العديد من العادات التي نمارسها في أيامنا العادية، ومنها ما يتعلق بالخلوات الثقافية والكتب التي يمكن قراءتها. ويضيف على المستوى الشخصي أجد في هذا الشهر فرصة سانحة لإعادة قراءة الكتب، التي تخصّ التاريخ والسير والمذكرات، وحتى بعض الكتب التراثية التي تُعنى بعلوم اللغة والدين والتأويل. ويقول لا أجد تفسيرا واضحا لهذا، لكنني أجد فيه نزوعا نفسيا يدفعني للمراجعة، ولاكتشاف علائق قد تكون غائبة، ونحن في حمى مغامراتنا الثقافية وفي توغلاتنا الغائرة في كتب الفلسفة والأدب والمعرفيات الأخرى. فالمكوث النهاري في البيت والسهر ليلا يجعل علاقتي بالكتاب أكثر حماسة، وأكثر دفعا باتجاه البحث في خفايا المسكوتات المعرفية، التي لها علاقة خفية بسرائر الموروث، حيث تتلبّس الشياطين بعض هذا الموروث، وتُلقي ظلالها على حاضرنا المتحوّل العجائبي. إنها تضعني شخصيا أمام إحساس غامض بضرورة الكشف عن تلك الظلال، وعن أسباب الرحيل المعكوس والغرائبي من الماضي إلى الحاضر. ويعتقد أن لأيام رمضان سحرها في تشكيل نوعٍ من الشجاعة وفي تحفيز الذاكرة وجرّ النفس إلى هذه المناطق غير المأهولة دائما. وبحسب قول الفواز فإن الكاتب المتورط بالمعرفة لا راحةَ حقيقية له، ليس لأنه مهووس بها، بل يجد في أيام رمضان فرصة لتغيير البوصلة، وهي بالمناسبة ممارسة (غير واعية) لأننا في رمضان نتصرف وكأننا في زمن آخر، زمن له شروطه النفسية والثقافية، لذا أحاول أن أجد في هذه الأيام خلوتي (العرفانية) بحثا عن ما فاتني وأنا أركض مثل خيول السيرك بحثا عن أوهام المعنى. استثمر شهر رمضان في العادة في ترسيخ مساحات التأمل، واسترد من زحمة الحياة وتدفقها المتصل شيئا ًمن الصفاء الذهني والانكفاء على الداخل قليلاً بما يسمح برقعة من التصالح مع الذات.

مساحات التأمل
الناقد والأكاديمي المصري حسام عقل يقول .. استثمر شهر رمضان في العادة في ترسيخ مساحات التأمل، واسترد من زحمة الحياة وتدفقها المتصل شيئا ًمن الصفاء الذهني والانكفاء على الداخل قليلاً بما يسمح برقعة من التصالح مع الذات. ويضيف، أنه لا جدال في أن الأجواء الروحية التي تلامس الشهر المعظم برفيفها الحي تعين من وجه آخر على التأمل المعمق في بعض مشروعات القراءة المؤجلة في محيي الدين بن عربي والنفري، تفاسير القرآن الكريم، التراثية والمعاصرة فضلا ًعن مطالعة رواد الفكر الإسلامي المستنير من مثل مالك بن نبي وعبد الرحمن بدوي ومحمد أبو زهرة ومحمود شلتوت وغيرهم.

إلهام الكتابة
الروائي التونسي المنجي الحدادي يقول .. استثمر شهر رمضان في المطالعة فهي أقل جهدا من الكتابة، لكن لا بأس إن توفر الإلهام، يكون الليل للكتابة، ويضيف أن هذا الأمر يأتي بنسق أقل بنظر للأيام العادية، وفي كل الأحوال يؤثر رمضان على الجهد في الكتابة، لكنه لا يلغيه. ويعتقد أن المطالعة تصبح أكثر من الأيام الأخرى فضلا عن حضور الندوات يصبح أمــــرا مستحيلا، سواء كان في الصباح أو حتى بعد الأفطار، لكن لا بأس إن كان هناك لقــــاء مع بعـــض المثقفـــين والأصدقاء وطرح بعض النقاش الأدبي، لكن ليس في صالون أدبي بل في مكان عام وأفضل أن يكون هذا المكان مقهى.
الحرب والنشاط الثقافي
ويرى الروائي اليمني الغربي عمران أنه حين يكون خارج صنعاء، لا يستقر له وضع فما بالك برمضان كما يقول، ويضيف .. أن صنعاء تعيد لي اتزاني النفسي، وكأن المكان يحمل سرا للروح والنفس، فرغم مظاهر الحرب والقلق الذي يجتاح الفرد خوفا من المجهول، أقسم الوقت بين القراءة والكتابة … أشعر بأن هناك متسعا من الوقت، خاصة أن الأنشطة الثقافية تتعطل وتخف الانشغالات، فرمضان ومدينة صنعاء يهيئان لي أجواء من السكون رغم أنف أمراء الحرب وأفعالهم الشنيعة، فهناك فضاء يتسع لأن ننجز الكثير من مشاريعنا الكتابية، وأجد أن أفكارا قد بعثت في شهر رمضان كانت منسية، وأجد الشغف بالكتابة يزداد، حتى أن قرب نهاية ليالي رمضان تنغص عليّ وأتمنى لو أن لياليه تستمر لشهور متعاقبة، لما تتيح لي تلك الأجواء من السكون. وإذا فررت فإلى الريف حيث قريتي تزنر خاصرة جبل، وفي هذه الأيام الماطرة والمخضرة ودينها فتجد الروح أفاقا بعيدة عن أجواء المدينة فيكون لرمضان إحساس آخر وتكون لساعاته ألوان أخرى، حيــث البكارة الأولى وحياة الناس البسطاء الذين يلهمونني مزيدا من الشخصيات وحكاياتهم تمنحني ثراء كتابيا رائعا، لذلك تجد معظم أعمالي يحل الريف أفقا واسعا فيها.

صناعة حياة
الفنان التشكــيلي العراقي فاضل ضامد يرى أن الرسم إفطار معلن للروح وبوح كل مشاعرنا لتصبح مشاعة لتجسيد وعي مستقر، ويضيف أنه يستثمر الليل بالرسم لأنه يعتبر الرسم انزياحا مقدسا بعمق أفكارنا ومصداقية وعينا فاللوحة شكل أو قطعة إنسانية خلقت بشكل إيحائي والإيحاء رابط وجداني بيننا وبين الخالق من اللون الذي ميزنا والخطوط الدلائل للمكانات الغيبية، والمساحات المفتوحة فضاءات للتهجد والدعوة للحرية خارج كتلة الجسد المنغمر بملذات الذات، لذا نتواصل بيننا من خلالها، فهي تبعث انسجاما وتخاطرا كرابط بشري واع تحفزنا اللوحة على اللقاءات والتأويلات والتفاسير البسيطة عند المتلقي، ربما تكون جزءا من واقع مرير يحمل في طياته معاناتنا اليومية وهمومنا المستمرة، نحاول من خلالها تبسيط هذا التوتر المجتمعي وإدانة الحروب والخروج عن النص الديني المتزمت نحو المعنى الكوني الوجداني، الذي خلقنا كآدميين لصناعة حياة متقنة تصب في نهر واحد، ألا وهو بناء هذا الكائن العبقري على الأرض.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com