ملفات وقضايا

 

قوميو العراق وشبهة الميول الفاشية.. ثلاثينيات القرن العشرين ومطلع أربعينياته أراد هتلر أن ينهي الحرب بالضربات السريعة في حين أراد تشرشل وضع حد للحرب بتجويع ألمانيا

عدد المشاهدات   424
تاريخ النشر       11/06/2019 07:56 AM


الدكتور بيتر فين
ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

عدَّ الكاتب في صحيفة الاستقلال بريطانيا بوصفها قوة امبريالية، رأت صحيفة (صوت الشعب) في بريطانيا قوة معززة للديمقراطية والتحرر. فالحرب تعد هزيمة للحضارة. والناس يعيشون الآن في عصر الطيران المدني، والإذاعة، والكهرباء. وكانت الحضارة قد انجزت الكثير من جهود العلماء والفلاسفة. ولكن الحرب، والقتل، والدمار، وتلطيخ صرح الإنسانية المقدس تتناقض مع روح الحضارة. ومع ذلك، كان الكاتب واثقاً من أن الغلبة ستكون للديمقراطية. فسنة الله ورسله وكتبه تنص على ان حكم الفرد يعد حكماً فاسقاً طالما ان سيطرة جيل ما من البشر على جيل آخر انحرفت عن التعاليم الإلهية، وتعارضت مع مفهوم الكرامة الإنسانية. وكانت هذه التعليقات لافتة النظر للغاية طالما ان الكاتب رفع المسألة الأخلاقية للحضارة الى نطاق ديني. فقد دمج انجازات الحضارة العربية، بضمنها الديمقراطية، بالوحي الإلهي. وخلص الكاتب الى القول ان دعم الديمقراطية يعني دعم العدالة. ان الإشارة إلى الإسلام بوصفه بشيراً للديمقراطية تتناقض تناقضاً صارخاً مع التصريح المنقول، على سبيل المثال، عن حسن ابو السعود، وهو مساعدٌ لأمين الحسيني اثناء استضافة النظام النازي  له خلال الحرب. وفي محاضرة القاها في برلين في 1942، مضى إلى حدٍ أشار فيه إلى "ان محمداً (عليه الصلاة والسلام ـ المترجم) قد اقام نظاماً سلطوياً مشابه سياسياً للفاشية او النازية، في حين ان الإسلام والديمقراطية الغربية يتناقضان تناقضاً اساسياً. والسياق الذي يتم من خلاله تفسير تصريح حسن ابو السعود يختلف، بالتأكيد، اختلافاً كاملاً، لأنه كان في منفاه في محيطٍ نازي. وقد عرضت صحيفة (صوت الشعب) موقفها النقدي على نحوٍ اكثر وضوحاً في سلسلة من التعليقات القصيرة التي ظهرت على نحوٍ منتظم في الصفحة الأولى تحت عنوان "سوانح". وكاتب "سوانح"، على الأرجح رئيس تحريرها، تعامل مع الموضوعات المألوفة بطريقة مازحة في الغالب. ففي اذار 1940، وجه نقداً للدعاية التي اتبعها كلا طرفي الحرب. ومع ذلك، فأن الدعاية الألمانية بدت أكثر ايذاءً. فالناس مالوا إلى تصديق الأكاذيب المفبركة فبركة جيدة والبعيدة عن نقل الحقيقة العارية. فعلى سبيل المثال، حين يسمع المستمعون اخباراً على شاكلة "الغواصات الألمانية تُغرق مجموعة من السفن"، فلن تسمع سوى "صحيح، صحيح" ولكن اذا قال المذياع ان الانكليز اغرقوا غواصة واحدة، فأن الناس يرددون "كذب، كذب، يا لها من دعاية!" وتساءل الكاتب كيف بإمكان الناس في العراق الوثوق بكلمة تأتي من برلين أو لندن عبر آلاف الأميال، في حين ان كلمة واحدة في العراق لا تكاد تنتقل امتاراً قليلة قبل ان يتغير مضمونها. ولاحقاً، أورد كاتب "سوانح" ان لديه صديقا يُفضل إذاعتي برلين  وروما  على اذاعة  لندن لأنه لم يكن مهتماً بالأخبار بل بالنكت. وفي مناسبات عدة، اشارت "سوانح" الى تفوق البريطانيين على الالمان لأنهم كانوا أكثر هدوءاً وصبراً، وهذا الامر مرده، بالتأكيد الى موقف بريطانيا في المعركة. ففي آب 1940، ظهرت مقالة عقدت مقارنات بين الشخصيات والأمم. فقد امتاز الالمان بالتسرع وامتاز البريطانيون بالبطء. ولذا أراد هتلر ان ينهي الحرب بالضربات السريعة في حين أراد تشرشل وضع حد للحرب بتجويع المانيا. وأورد الكاتب مزحة لتأكيد الاختلاف في الشخصية: ثمة الماني وانكليزي يقودان سيارتيهما على جسر في اتجاهين متعاكسين حين التقيا في وسط الجسر. ولكن الطريق كانت سعته تكفي لأعطاء مجال لعربة واحدة فقط بالمرور. في البدء، لم يرغب السائقان بالتراجع. وبعد برهة، اصدر الالماني اعلاناً من نحو (300) صفحة يسهب فيها في ذكر السبب الذي يتوجب بموجبه على الانكليزي التراجع. ومع ذلك، لم يتحرك الانكليزي قط، بل أجاب باسلوب بارد: "لماذا انتهت من قراءة الاعلان، أريد ان أعرف، كي اقرأه أنا أيضاً". وعند ذاك أصاب الالماني الجنون وقام بسحب سيارته وفسح الطريق أمام الانكليزي. وأشارت "سوانح" إلى أن البريطانيين كانوا أكثر موثوقية من الالمان. وفي ايلول 1940، قارنت "سوانح" المقايضة التي تجري في اسواق بغداد بعروض الأمم المتقاتلة. ولذا فقد اجابت ضمنياً على السؤال حول الطرف الذي نقف إلى جانبه في الحرب. وفي بغداد، فأن الزبون والبائع يقومان بتسوية السعر وفقاً لعرض البائع ورد فعل الزبون حياله. وفيما يتعلق بتكاليف الحرب، كما قدمتها ايطاليا والمانيا من جانب وبريطانيا من جانب آخر، اعتقد كاتب "سوانح" ان التكاليف التي يقدمها البريطانيون ثابتة، ولذا كانت بريطانيا أكثر مصداقية. وقد سردت "سوانح" ايضاً خرافة تجري على ألسنة الحيوانات حول المانيا وتشيكسلوفاكيا. فالذئب قال للحمل بأنه عكر الماء اثناء شربه من الجدول. ورد الحمل ان هذا مستحيل، لأنه كان يقف في اتجاه مجرى النهر. ولكن الذئب قال للحمل أنه كان قد وجه له إهانة السنة الماضية. فأجاب ان عمره يبلغ نصف عام فقط. عندها قال الذئب أذن لا بُدَّ ان يكون ذلك والدك، أو عمك، أو جدك، ثم التهمه. وعلى الشاكلة نفسها أخبرت المانيا تشيكسلوفاكيا أنها كانت قد أساءت معاملة الالمان. وقالت شيئاً مشابهاً للشعب البولندي، والدنماركي، والنرويجي، والهولندي، والبلغاري، وأخيراً، كان اليونانيون قد "استفزوا" الالمان فتسبب ذلك بفقدان الايطاليين لصبرهم، فقامت جيوش المحور بضرب اليونان. وبالنسبة للقارئ الذي يتابع الاحداث الجارية، كان من الواضح بمكان ان المانيا وايطاليا كانتا جشعتين كجشع الذئب الجائع. ومن ضمن المصادر المقدمة هنا، احتوت صحيفة (صوت الشعب) على بعض التعليقات النادرة حول اضطهاد اليهود في المانيا. وقد صيغت في سياقٍ أوسع لبيان الجشع والعنف الالمانيين. ففي "سوانح" ، ثمة قصة حول مسؤول عن غرفة المقدسات في كنيسة تعطي لمحة عن العنصرية الالمانية (89). فقد تعاطى هذا الحافظ كمية كبيرة من الكحول حتى ساءت صحته. وقد اخبره القس ان الكحول من ألد أعداء الإنسان. ورد قائلاً في الكنيسة تقولون: أحبوا اعداءكم، لذا أحببت الكحول؛ فرد القس مرة أخرى قائلاً أنه ذكر وجوب محبة الاعداء وليس ابتلاعهم. وقد استخدم الكاتب هذه القصة بوصفها استعارة لمعاملة هتلر للأعراق الأخرى: فهو لم يشرب الكحول، ولكنه ما فتئ يشبه السكير. فقد ذكر في كتابه (كفاحي) أن الاعراق غير الجرمانية متخلفة وضارة بتقدم الحضارة. ولذا فقد حاول ابتلاعها! وقد أشار المؤلف إلى أن هذا الطمع سيكون ضاراً في خاتمة الأمر بصحة هتلر والمانيا. وفي تعليقٍ أكثر صدقاً، عدَّ كاتب آخر القمع النازي بوصفه مثالاً لفشل الحضارة الغربية في الحرب. فالنازيون لم يكونوا مقتنعين باضطهاد اليهود، بل أنهم بدأوا باضطهاد الكنيسة، وكان فيها عدد منهم. بل أنهم شرعوا بصياغة دين جديد. وعلى نحوٍ قابلٍ للنقاش، أيد الكاتب الفكرة التي تعد اليهود دخلاء على اوربا. ولذا فقد وجد أن اضطهاد المسيحيين كان أكثر سخفاً. وبذا كان هذا نقداً عنيفاً حيال أي اضطهاد عنصري. ولاحظ الكاتب ان أوربا المادية بإمكانها ان تتعلم درساً من الشرق، حيث كانت قد استمدت دينه، وفلسفته، وحكمته..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com