ملفات وقضايا

 

قوميو العراق وشبهة الميول الفاشية.. ثلاثينيات القرن العشرين ومطلع أربعينياته الروح العسكريــة لألمانيــــا قبل الحرب العالمية الأولى عملت بوصفها أنموذجاً للعسكرة القومية المتُصورة للدولة العراقية

عدد المشاهدات   473
تاريخ النشر       12/06/2019 10:15 AM


الدكتور بيتر فين
ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

إن النقاش حول الميول المؤيدة للحكم السلطوي بين جيلٍ من المثقفين، فضلاً عن التحري عن الاتجاهات التي يتم من خلالها تصوير المانيا في الصحف العراقية، قد طرح عدداً من المسائل. والأمر الجوهري في النقاش لا ينصب على الشخصية والقوة، فضلاً عن التضحية الشخصية فحسب، بل ينصب ايضاً على دور الشباب وتوقهم للقيادة. ومع ذلك، فأن هذه الموضوعات تحركت في سياق استطرادي أوسع. فعلى سبيل المثال، فأن موضوعاً كالزعامة كان مرتبطاً بالنماذج في دول الجوار كالكمالية التركية. وموضوعات القوة والشخصية كانت في معظم الوقت ترتبط بموضوعات الشباب وتكوينهم. وفي ذلك السياق، صوّر الخطاب القومي الشباب بتعابير جنسانية رفيعة المستوى، وبذا رسم أُطراً مماثلة للنقاشات الاوربية حول الرجولة. وفي مطلع نيسان 1941، اوصل انقلاب عسكري رشيد عالي الكيلاني وحكومة الاتحاد الوطني الى السلطة. وأورد روفائيل بطي ان الحكومة الجديدة حاولت دفعه الى نشر الاخبار التي توزعها المديرية العامة للدعاية حصراً (ومن المهم الذكر ان هذه الرسائل الاخبارية تعتمد على تقارير رويترز). ورداً على هذا الضغط، فقد قرر بطي وبعض المحررين الآخرين التوقف عن النشر، بيد أن رئيس الوزراء أقنعه باستئناف نشاطه بعد فترة قصيرة. وعلى نحوٍ واضح، كانت صحيفة بطي مهمة لرشيد عالي الكيلاني. وثمة مقالة نشرتها صحيفة بطي عقب الانقلاب مباشرة توضح السبب. فقد أطرت على النظام الجديد وذلك باستخدامها اصطلاحاً يعكس في طياته الكثير من مضامين الاصطلاحات المؤيدة للحكم السلطوي التي كانت شائعة في ذلك الوقت. ومرة اخرى، فأن هذه الحقيقة لا تتفق وأدعاء بطي بالتزامه الحياد خلال سني الحرب. وقد اعلن كاتب المقالة ان تغيير الحكومة عُدَّ لحظة تاريخية، وهي تصوير لعظمة الجيش، والقيادة، والشعب بالأخص. فالأمة تسامحت مع المواطنين الكسالى، والضعفاء، فضلاً عمن كان ينبغي قمعهم من دون شفقة. وهنا، اظهرت المقالة مدلولات واضحة للمطالب الفاشية، فضلاً عن الضغط السلطوي بتحويل جميع افراد المجتمع الى موالين. والى جانب وجود جيش مُشرّف، كان للبلد زعيم يتمثل برشيد عالي الكيلاني، كما أورد الكاتب وانطلاقاً من نزعة طبيعية، كان شعب العراق مسالماً ومستعداً للدفاع عن نفسه، وهي نزعة لم تكن موجودة إلا عند شعب تجذرت نهضته عميقاً في الثقافة. وكانت الامة العربية قد اجتازت مرحلة اضطراب وحققت نهضتها ببلورة سلطة جديدة، وانبثاق زعيم من طيف من اطياف الشعب. ولذا لم يعد الكاتب يميز بين العراق على نحوٍ خاص، والعالم العربي على نحوٍ عام حين اشار الى "الشعب". وقد كتب عن الشعب العربي لكنه تجاهل الاشارة الى الاكراد العراقيين، على سبيل المثال. وكان منجذباً الى الزعامة ومشرعناً لها ضمن اطار القوة التاريخية المتأصلة للشعب العربي وليس ضمن اطار الانجازات الحالية. ومن الاهمية بمكان ان الكاتب ذكر الملك الهاشمي لأول مرة في نهاية المقالة حصراً: الجيش، والزعيم، والشعب جعلوا من عرش فيصل الثاني دعامة حقيقية. وانهى الكاتب مقاله بالهتاف الآتي: "عاش الشعب، عاش الملك، عاش الجيش، عاش الزعيم". واذا ما عددنا ذلك بوصفه الذروة، فقد وضع الكاتب الملك بمستوى واطئ نوعاً ما، محاطاً بالشعب ، واضعاً تركيزاً أكبر على الزعيم. ولذا لم تكن الزعامة متوقعة من عرش فيصل. وقد احتوت المقالة على ثلاثة موضوعات رئيسة عن نهضة عربية في العراق؛ فالزعامة، والسطوة العسكرية كانتا تورّثان من الاسلاف. وفي واقع الأمر، فأن ارتباط مصطلح الزعامة "بالشعب" لم يعمل إلا على جعل المراقبين البريطانيين يتشككون بوجود روابط قوية بين القوميين العرب العراقيين والنازيين في 1941. وفي سياقٍ اوسع، انبثق هذا المصطلح من سياقٍ قومي راسخ رسوخاً قوياً كان قد تطور خلال ثلاثينيات القرن العشرين ومطلعه.

حبزبوز
كما ورد في الفصل الثالث، فثمة افتراض واسع الانتشار ان العديد من القوميين العرب عدوا التوحيد الالماني لعام 1871 الناجم بفعل الحرب بوصفه أنموذجاً للأنبعاث القومي. وقد اشارت هذه الصورة الى النماذج التقليدية لمحبة المانيا المتوارثة من تراث ضابط شريفي. وكما يُظهر أنموذج جعفر العسكري، فأن الروح العسكرية لالمانيا قبل الحرب العالمية الاولى عملت بوصفها أنموذجاً للعسكرة القومية المتُصورة للدولة العراقية، لأن الضباط الشريفيين كانوا قد تعلموا الاعجاب بالمانيا خلال تدريبهم العسكري العثماني. ومع ذلك، فبين مثقفي ثلاثينيات القرن العشرين، لم تكن ثمة افضليات قومية في انتقاء النماذج. فالروح العسكرية لم تحتج الى أنموذج الماني بيد أنها لم تُشر ايضاً الى الإرث العثماني. وتعد صحيفة حبزبوز  الساخرة أنموذجاً قوياً لتعزيز وجهة نظر كهذه لعقلية عراقية بطولية. ومع ذلك، فأن جنس "الصحافة الساخرة" لم تحول حبزبوز الى منتدى للمعارضة. وقد أتخذ الهجاء شكلاً اسلوبياً خاصاً للنص. وثمة بنية أنموذجية لعمل هجائي تمثلت، على سبيل المثال، في ان الشخصية المهرجة حبزبوز واجهت شخصاً بطرح سؤال عليه، أو انها ببساطة أثارت مسألة ما بوصفها مقدمة لموضوع المقالة. عندها كان حبزبوز يعلق عادة على هذه المسألة مطولاً، مقتبساً ذلك أما من نصوص أخرى أو من المقابلات. ومعظمها منجز أو مكتوب باللغة العامية. وغالباً ما تكون حبكة المقدمة غير مرتبطة تقريباً بالمسائل التي يتم التعامل معها في الجزء الرئيس للمقالة. وكان الجانب الساخر من النصوص ، أما في شخصيات مضحكة ذات سلوك مضحك، أو في سخرية انتقاء النماذج أو الاقتباسات لتأكيد مواقف معينة. ومع ذلك، فأن هذه المواقف يندر ان تكون ذات طبيعة معارضة للدولة ومنهجها القومي. وعلى العكس، كان حبزبوز مؤيداً للنهج القومي. وكان السياق الساخر أداةً وعظية.
وفي مقالٍ يحمل عنوان "الجندية المقدسة"، أشار حبزبوز إلى الجندية بوصفها موضوعاً في الخطاب القومي. وزعم بأن الأمة القوية حقاً تحتاج الى انبثاق جيش قوي مرة أخرى. ومضت القصة قائلة أن حبزبوز كان اسير الفراش لإصابته بالحمى، وقد جاء لرؤيته واحد من اكثر العلماء شهرة وسأله إن كان يعرف "الباشا"، فاجاب حبزبوز "أي باشا؟"، "ليس ثمة الكثير من الباشوات". فقال العالِم: "لا: بكر صدقي باشا" فزعم حبزبوز أنه كان يعرفه "كأخٍ له". وقد طلب العالِم من حبزبوز التحدث الى بكر صدقي لإعفاء ابنه من الخدمة العسكرية. وقد أصبح حبزبوز غاضباً لأن العالِم كان ينبغي ان يعرف أنه ينحدر من أسرة جنود. وأكد حبزبوز إن العراقيين كانوا قد تناسوا روحهم العسكرية: وتساءل "هل تعرف ما هي أفدح خسارة لاحتلال هذا البلد؟". لقد جعلونا ننسى طعم الجندية، واعموا عيوننا بالنفط الاسود. ففي وقت مضى كان العراقي يفخر بكونه جندياً . [...] وكان أمل الشاب العراقي ان يصبح ضابطاً ويدافع عن بلده..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com