ثقافة

 

طقوس الجمال عند الشّاعر حسين نهابة في ديوانه (طقوس ما بعد الأربعين) الناقدة السورية: ميَّادة مهنَّا سليمان

عدد المشاهدات   132
تاريخ النشر       12/06/2019 10:43 AM


في هذا الدّيوان طالعَتني طقوس جمال، وسحر، ومشاعر مرهفة، فنحن أمام باقة قصائد ملوّنة في بستان شغف، أو حديقة حبّ أو مرج نبضٍ رهيفٍ يسحرنا بحروفٍ معمّدةٍ بالعشقِ، والفرح، واللوعة، والغربة الرّوحيّة، والأمل، والانكسار، واللهفة.
نحن هنا أمام رجلٍ أحبَّ، فكانتِ المرأة محور حياته، وشغفه، واهتمامه، ونلحظ وجودها في قصائده مرتبطةً بانثيالاتٍ عاطفيّةٍ رقيقةٍ؛ فهي الحبيبة، الصّديقة، المعذِّبة، والملجأ، والوطن، والأمن، والأمّ الرّؤوم فنجد الشّاعر أمام حبّها الكبير يعود طفلًا. 
ومنذ بدء الدّيوان تطالعنا قصيدته (بغداد) الحبيبة الأولى المقدّسة عند الشّاعر.
حين يختلط حبّ الوطن ويتماهى مع حبّ المرأة تصبح بغداد الوطن/المرأة
المرأة أو المحبوبة الّتي تحتوي الشّاعر.هو هنا العاشق العراقيّ المحمّل بشجون الواقع الأليم.
العراقيّ الّذي لا يطال من الأماني إلّا أبأسَها! وهي هنا بغداد الحزينة الّتي أدمَتها أشواك الزّمان!
يقول في القصيدة ذاتِها:
عبثًا أطلّ من قلبي الصّغير
الّذي لم يتّسع لسواكِ
 وهو ذاك الرّجل الّذي يرى الكرامة "جبالًا عفِنة" حين يحبّ بكلّ نبضه، وشغفه، وجنونه.
حين يلوّعه الشّوق، والحنين لامرأةٍ أحبّها يحار كيف يطرق باب قلبها ونجد الصّراع محتدمًا في ذاته.
بين التّمسّك بالمحبوبة، وبين التّمسّك بالكرامة ولعلّه لا يرغب في أن ينطبق عليه ما كتبتُه منذ أيّامٍ
"ربَّ كبرياءٍ قتلَ حبًّا
ثمَّ مشى في جنازة قلبهِ!"
 وهنا تتضّح المعاناة الّتي يرزح تحت وطأتها.  ولو لم يكن شاعرًا لما تجرّأَ، وقالها؛ فهو ينبذ الكبرياء ويولي الحبّ الأهمّيّة القصوى في حياته يقول في اعترافٍ رائعٍ في قصيدته (قوافل القلق):
أيّ رجلٍ أكونه
حين تصدّين عنّي؟
ما قيمة الأنبياء بلا معجزاتهم
أيّة كرامة تبقى لهم؟ 
 فنقرأ ولا يسعنا إلّا أن نشعر بالتّقدير لرجلٍ نبذَ عُقدَ الشّرق، وترّهاته، وتقاليده السّخيفة ليعلن خضوعه للمرأة المحبوبة، وأيّ خضوع؟
 ولا نعجب، فهو يطلب منها في قصيدة (غد لا يعرفني) أن تكون ملاذه الأخير للطّمأنينة:
وحدك زادي وناري ودلّتي
فكوني لي ظلّي وخيمتي الأخيرة.
ونجد عند حسين التّناصّ القرآنيّ في قصيدتين: (قميصي المسعور، وساديًّا يكشّر عن أنيابه، أحَبَّكِ). يرينا في الأولى حالته حيث هو غارق في بئر حبّها، وما من منقذ سوى خفقة من قلبها:
أفردي لي قطعة من جناحك
فالجبّ عميق
والسّيّارة تأبى أن تلتقط
قميصي المسعور بك
وفي الثّانية تتجلّى النّاحية النّفسيّة
 ثمّ تقترن الحبيبة بالسّلام حين يشبّهها بغصن الزّيتون، ولا يكتفي بذلك، بل يعطيها بعدًا سماويًّا، فهي الرّاحة الأبديّة والسّلام والسّكينة.
يقول في قصيدة (غصن زيتون):

من أنا أمام عينيكِ أكون؟
بوابتا سماء
للعبور إلى الجنّة
لذلك هو الملوَّع بها، والّذي يستحيل عليه نسيانها.
 وإضافةً إلى كلّ تلك المعاني السّامية للمرأة نجده في قصيدة (مذبح عينيكِ)
يمنحها القداسة العشقيّة في هيكل سعادته:
أنا القائم في هيكلي أصلّي
صرت أقرأ عند مذبح وسادتك
أناشيد الحياة
 هذه قراءتي المتواضعة لديوان شعر جلتُ فيه وكنت أشمّ روائح الاشتياق، وعبق اللهفة المنثور في بتلات كلماتٍ ملوّنة بالعشق والوله والنّقاء واللوعة الجميلة.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com