ذاكرة عراقية

 

ثــــورة 14 تمــــوز وعبــد الكريم قاســم والحركة الكردية

عدد المشاهدات   242
تاريخ النشر       10/07/2019 03:37 PM


حامد الحمداني

 

    

ولكون الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كانَ في قمة السلطة فقد كان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل صيانة الثورة، والحفاظ على لحمة الصف الوطني، واليقظة والحذر من غدر قوى الردة، لكنه لم يدرك خطورة الموقف ووقع في تلك الأخطاء الخطيرة والتي يمكن أن نلخصها بالتالي:
1ـ لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم في سياسة عفا الله عما سلف ، وسياسة فوق الميول وفوق الاتجاهات، وعفا عن الذين تآمروا عليه وعلى الثورة جميعاً، وأطلق سراحهم في محاولة منه لخلق حالة من التوازن بين القوى الوطنية المساندة للثورة، والقوى الساعية لاغتيالها، وكان ذلك الموقف خطأً قاتلاً يتحمل هو مسؤوليته الكاملة.
2ـ لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن الخطر الحقيقي يأتيه من قوى اليسار [القوى الديمقراطية] وبوجه خاص من [الحزب الشيوعي] الذي وقع في أخطاء كبيرة ما كان له أن يقع فيها والتي سأتناولها فيما بعد بحيث أصبحت لدى الزعيم القناعة أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة، ومما زاد في قناعة الزعيم هذا الموقف الذي وقفته القيادة اليمينية للحزب الوطني الديمقراطي بغياب زعيم الحزب المرحوم كامل الجادرجي والتي أدخلت في روعه الخطورة التي بات يمثلها الحزب الشيوعي على سلطته، فقرر تقليم أظافر الحزب وأضعاف نفوذه الطاغي في الشارع العراقي آنذاك، وكانت باكورة إجراءاته سحب السلاح من المقاومة الشعبية، ومن ثم إلغاؤها، ولو كانت المقاومة باقية يوم الثامن من شباط لما تسنى للانقلابيين النجاح في انقلابهم.
لقد كان رد فعل الزعيم يمثل الرد على الخطأ بخطأ أعظم وأفدح، حيث افتقد قوى واسعة ومؤثرة أكبر التأثير في الساحة العراقية، وعزل نفسه عن الشعب، مما سهل للانقلابيين تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة في الثامن من شباط 1963.
3ـ لقد اخطأ الزعيم في أسلوب التعامل مع القيادة الكردية المتمثلة بالزعيم مصطفى البارزاني، على الرغم من أنه لم يكن يحمل أي أفكار شوفينية تجاه القومية الكردية، وأن استقباله للسيد البارزاني ورفاقه العائدين من الاتحاد السوفيتي، وتكريمهم، والتأكيد على الحقوق القومية للشعب الكردي في الدستور المؤقت، يؤكد هذا الموقف لدى الزعيم، في حين أن القوى القومية التي نفذت انقلاب شباط كانت غارقة في شوفينيتها وكراهيتها للشعب الكردي بحيث لم تصبر على المباشرة بقمع الحركة الكردية سوى أقل من أربعة أشهر، منزلة الخراب والدمار بكردستان بشكل وحشي يندى له جبين الإنسانية.
4ـ لقد اخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لمسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة، الذي أججته قراراتها، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي، الذي أحدث ثورة اجتماعية حقيقية، سلبت السلطة من الاقطاعيين دعائم الإمبريالية. ولذلك فقد بدأ الرجعيون والاقطاعيون وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين والقوى القومية الكردية. لقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة، وعزلها عن الشعب.
5ـ لقد أخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لخطورة الصراع مع شركات النفط، من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961، والذي انتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات الاحتكارية، والعمل على استغلالها وطنياً. لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات النفط حرصاً على مصالحها، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء. لقد كان على عبد الكريم قاسم إن يدخل في صراعه مع شركات النفط محصناً بجبهة شعبية قوية قوامها هذه الأحزاب الوطنية والديمقراطية تقف إلى جانبه وتدعم موقفه لا أن يدخل في صراع معها غير مبرر اطلاقاً فتستغل الإمبريالية موقفه الضعيف لتنفذ مؤامرتها بنجاح في الثامن من شباط 63.
6ـ لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم بلجوئه إلى القوة العسكرية لحل التناقض مع قيادة الحركة الكردية، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة، وشق جبهة الاتحاد الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط 1963. وفي بداية عام1963، عندما كانت الحرب تدور في كردستان، كنت آنذاك في مدينة السليمانية، إحدى أكبر مدن كردستان، أتابع مجريات تلك الحرب، وأتحسر على ما آلت إليه الأمور في بلادي، حيث يقتل الوطنيون بعضهم بعضاً، على الرغم من قيام الحزب الشيوعي بحملة واسعة شملت كافة أنحاء العراق مطالباً بالسلم في كردستان، والديمقراطية للعراق، وأدى موقفه هذا لتعرض رفاقه إلى حملة اعتقالات ومحاكمات للعديد منهم حيث حكم عليهم بالسجن لسنوات، ولقد كان لي شرف المشاركة في تلك الحملة وتعرضت نتيجة ذلك للاعتقال من قبل قوات الجيش في السليمانية، وتعرضت لتعذيب وحشي على أيدي أولئك الضباط الشوفينيين المجرمين بقيادة جلاد الشعب الكردي الزعيم [صديق مصطفى] وآمر الانضباط العسكري المجرم [رشيد علوان المهداوي] الذين كان لهم دور فاعل في انقلاب 8 شباط 1963. وهكذا أصبح النظام منعزلاً وجهاً لوجه أمام مؤامرات الإمبريالية وعملائها، وبذلك يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في إيصال الأمور مع القيادة الكردية إلى مرحلة الصراع المسلح.
7ـ اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي السابق ، الذي لم يجر عليه أي تغيير، سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته ورعته الإمبريالية وعملاؤها الحاكمون في بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء، لا للثورة، ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم، وكان له دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية، والحركات التآمرية عن السلطة، وحماية المتآمرين. ومما يؤكد هذا الحديث الذي جرى مع مدير الأمن العام [مجيد عبد الجليل] الذي جيء به إلى دار الإذاعة التي اتخذها الانقلابيون مقراً لهم، وقام علي صالح السعدي، أمين سر حزب البعث، بالبصق في وجهه، فما كان من مدير الأمن العام إلا أن قال له : (لماذا تبصق في وجهي؟ فلولاي لما نجح الانقلاب). وهذا خير دليل على عدم أمانة ذلك الجهاز الذي اعتمد عليه عبد الكريم قاسم. ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن، والذي أنيط به حماية الثورة من المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة وكان على رأسهم، رئيس الجهاز [محسن الرفيعي] ومن قبله [رفعت الحاج سري] الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم فيه. كما أن موقف رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام [أحمد صالح العبدي] المتخاذل دل على مساومة الانقلابيين، والسكوت عن تحركاتهم، فلم ينل منهم أذى، وأطلق سراحه بعد أيام قلائل، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز وقيادتها.
8ـ إطالة فترة الانتقال وإجراء الانتخابات وتشريع الدستور الدائم: كانت إطالة الفترة الانتقالية والتأخر في إجراء الانتخابات العامة وتشريع دستور دائم للبلاد والتي استغرقت 4 سنوات، أحد العوامل الرئيسية في نشوب الخلافات بين القوى الوطنية والسلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وتحول الخلافات نحو الصراع بين الأطراف الوطنية والسلطة. لم يكن هناك مبرر لإطالة فترة الانتقال طيلة هذه المدة، وكان بالإمكان اختزالها لمدة أقصاها سنتين، والتوجه نحو إجراء انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه تشريع دستور دائم للبلاد، وعرضه على الشعب في استفتاء عام، ليتم بعد ذلك قيام حكومة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب. ولم يكن هناك ما يخيف الزعيم عبد الكريم قاسم على موقعه كقائد لثورة 14 تموز، حيث كان يتمتع بشعبية كبرى لم يتمتع بمثلها أي زعيم عراقي أو عربي من قبل، وكنت على يقين أن الزعيم عبد الكريم قاسم لو شاء أن يشكل له حزباً سياسياً آنذاك، ويشارك في الانتخابات فإن حزبه كان سيفوز على جميع الأحزاب، ولست أنا من يقول ذلك فقط، بل أن الحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد أعترف في أدبياته ونشراته الداخلية في رده على الأفكار والدعوات التي ظهرت في صفوف الحزب داعية إلى استلام السلطة أن هذه الشعبية التي نشهدها في الشارع العراقي هي شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يمجده الشعب. لكن الزعيم عبد الكريم شاء أن يختار لنفسه أن يكون [فوق الميول وفوق الاتجاهات]!، [وسياسة عفا الله عما سلف] وأطلق سراح المتآمرين المحكومين بالإعدام والذين أطلقوا عليه الرصاص في رأس القرية، وفي الوقت نفسه أصدر أمره بتنفيذ حكم الإعدام بحق الشهيد الشيوعي [منذر أبو العيس]، وحاول أن يخلق نوعاً من التوازن بين حماة الثورة والمدافعين عنها، والحريصين على صيانتها، وبين الذين تآمروا عليها وحاولوا مراراً وتكراراً إسقاطها والوثوب على الحكم وهذه هي إحدى أخطائه الجسيمة التي أوصلته إلى تلك النهاية المحزنة، وأوصلت الشعب العراقي إلى الكارثة..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com