ذاكرة عراقية

 

ثــــورة 14 تمــــوز وعبــد الكريم قاســم والحركة الكردية

عدد المشاهدات   234
تاريخ النشر       10/07/2019 09:07 PM


حامد الحمداني


    
تدهور العلاقة بين السلطة والقيادة الكردية
كانت ثالثة الأثافي في تدهور الأوضاع السياسية في البلاد، وانقسام القوى الوطنية، حدوث الخلافات العميقة بين قيادة عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مصطفى البارزاني، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح، واستخدام السلطة للجيش في حسم ذلك الصراع. بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام 1961، عندما هاجمت صحيفة الحزب [خه بات] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة. كان الرد من قِبل عبد الكريم قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفة الحزب ومطاردة قادته، واعتقال البعض منهم في آذار 1961، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام. وفي 20 تموز 1961، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تضمنت المطالب التالية:
1 ـ تطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت والمتعلقة بحقوق الشعب الكردي.
2 ـ سحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان.
3ـ سحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة، الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في كردستان.
4 ـ إعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى كردستان.
5ـ إطلاق الحريات الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية.
6ـ إنهاء فترة الانتقال، وانتخاب مجلس تأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد.
7 ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة 14 تموز.
لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران، حيث كانت قد اندلعت حركة تمرد بقيادة اثنين من كبار الاقطاعيين هما كل من [رشيد لولان ] و[ عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني ، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد استهدف رشيد لولان، وعباس مامند إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها شاه إيران زعزعة النظام الجديد في العراق وإسقاطه. أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 1961، حيث توقفت كافة الأعمال، وأصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون البيشمركة باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة. كان على القيادة الكردية أن تقدر دوافع تلك الحركة، والقائمين بها، والمحرضين عليها، ومموليها، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها سواء كانوا عرباً كما هي الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين، أو كانوا من الكرد، كما هو الحال مع تمرد الاقطاعيين رشيد لولان وعباس مامند. كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة، ورفض الحوار وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكردية حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت. ظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة، وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة 14 تموز يوم الثامن من شباط 1963. لقد رد الزعيم عبد الكريم قاسم بدفع المزيد من قطعات الجيش في 9 أيلول 1961، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة، والطائرات، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان. وقد أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 آب 1961 حول الوضع الراهن في كردستان، مؤكداً على ضرورة النضال من أجل تسوية الوضع المتأزم في كردستان بضرب نشاط عملاء الاستعمار وحلف السنتو في المناطق المتاخمة للحدود الإيرانية بالوقوف ضد أي صِدام بين القوات الحكومية المسلحة والمواطنين البارزانيين وسائر الوطنيين في كردستان وبتحقيق الحقوق القومية العادلة للشعب الكردي. كما طالب تقرير اللجنة المركزية للحزب في تشرين الثاني 1961 حكومة عبد الكريم قاسم بتحقيق المطالب التالية:
1 ـ وقف الاضطهاد القومي بإلغاء الحملة العسكرية النظامية وغير النظامية على كردستان فوراً.
2 ـ حل المسالة الكردية بالطرق السلمية بإصدار بيان رسمي بالاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الوحدة العراقية.
3 ـ إصدار عفو عام عن المشتركين في الحركة.
4 ـ إطلاق سراح جميع المعتقلين وإرجاع المفصولين لأعمالهم.
5 ـ دفع التعويضات للمتضررين.
ولم تجدِ نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال، واللجوء إلى الحوار، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية، حيث شن الحزب الشيوعي حملة واسعة شملت كافة أنحاء العراق تحت شعار [السلم في كردستان، والديمقراطية للعراق] وقد أثارت تلك الحملة غضب الزعيم عبد الكريم قاسم على الحزب، وتعرض المئات من رفاق الحزب للاعتقال والتعذيب وحتى السجن، لكن تلك الجهود باءت بالفشل، ولم تلقَ الاستجابة من الطرفين، واستمرت الحرب بينهما حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963. ومن المؤسف أن يقع قادة الحركة الكردية في خطأ جسيم آخر، عندما وضعوا أيديهم بأيدي انقلابيي 8 شباط 1963 ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم، ظناً منهم أن بالإمكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية المشروعة على أيدي أولئك القوميين الفاشيين والمتعصبين الذين لا يعترفون بالقومية الكردية. لقد كان موقفهم هذا أقل ما يقال عنه أنه ينم عن جهل بطبيعة حزب البعث، والقوى القومية المتعصبة المتحالفة معه، الذين لم يكّنوا يوماً المودة للشعب الكردي، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957. وهكذا فلم تمض ِسوى أربعة أشهر على انقلاب 8 شباط، حتى بادر الانقلابيون في 9 حزيران 1963 إلى شن حملة عسكرية هوجاء على الشعب الكردي، لم يشهد لها مثيلاً من قبل، منزلين فيه الويلات والمآسي وألوف القتلى، وتهديم القرى، وتهجير الشعب الكردي. لقد تمزقت الوحدة الوطنية، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها، ومع السلطة جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق والصراع، وضياع الثورة، وتصفية كل مكاسب الشعب، وإغراق البلاد بالدماء. ولا شك أن عبد الكريم قاسم يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تلك الأخطاء، لأنه كان على قمة السلطة، وكان بمقدوره أن يفعل الكثير من أجل إعادة اللحمة للصف الوطني، ومعالجة المشاكل، والتناقضات التي نشأت، والتي يمكن أن تنشأ مستقبلاً، بروح من الود والتفاهم، والمصلحة العامة لشعبنا ووطننا، والتحلي بإنكار الذات وتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح. كان بمقدوره أن يعمل على إنهاء فترة الانتقال ويجري انتخاب المجلس التأسيسي، وسن الدستور الدائم للبلاد وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية صلبه، ولو فعل ذلك لتجنّب، وجنّب الشعب العراقي كل تلك الويلات والمصائب والمصير المظلم الذي حلّ بالبلاد على أيدي انقلابيي 8 شباط 1963.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com