ثقلفة

 

«الصبي الخادم» للكاميروني فرديناند أويونو: افريقيا وملامح رواية ما بعد الكولونيالية

عدد المشاهدات   138
تاريخ النشر       10/07/2019 09:16 PM



 رامي أبو شهاب
■ تكتسب الرواية في افريقيا هويتها الفنية والأيديولوجية من التجربة ما بعد الكولونيالية التي تأتي بوصفها أحد أهم مصادر الكتابة السردية، فالرواية في افريقيا تحفل بالإرث الاستعماري، الذي يكاد يستغرقها. ومن هنا نسعى في هذه المقالة إلى تحديد ملامح الرواية ما بعد الكولونيالية، من خلال نموذج رواية «الصبي الخادم» للكاتب الكاميروني فرديناند أويونو، التي نشرت لأول مرة عام 1966، في حين نشرت طبعتها العربية الأولى سنة 1981 بترجمة محمود قدري، مع مقدمة وضعها الروائي العربي إلياس خوري.
تتأتى قيمة الرواية من كونها تقدم صورة للوعي الاستعماري المدرج في صيغ الخطاب ما بعد الكولونيالي، إذ يمكن أن نتبين بجلاء بعض مستويات الخطاب التي ما انفكت تشكل سمات الرواية الافريقية، ونعني العرق، والعنصرية، والفضاء الجغرافي، والاستيهام الجنسي، كما اللغة، والأهم أنها تندمج مجتمعة في آلية لغوية وخطابية، باتت تشكل ثقل الكتابة ما بعد الكولونيالية، ونعني التمثيل Representation.
الرواية في مجملها تنهض على الرؤية بشقيها: البصري والذهني، أي تلك المعاينة التي تتضافر بين عاملي البصر، أو التلصص، والتأمل في الذات والآخر، عبر محاولة فكفكة التمثيلات التي تأتي من لدن الذات السوداء تجاه الوجود الأبيض، ولهذا يمكن القول بأن حبكة الرواية تتحدد بتلك اليوميات التي تهدف إلى بناء وعي جديد، في ما يتعلق بالإنسان الأبيض، بالتضافر مع منظومة من المتعاليات التي تعكس طبيعة علاقة القوة والضعف، ولكن في تكوين جدلي متبادل، غير أن السمة الأبرز، ذلك الوعي للحضور الأبيض، حيث تنقله لنا الشخصية الرئيسة التي نقرأ تجربتها عبر يوميات يعثر عليها الراوي، وتشكل الأثر المتبقي لهذا الوعي الذي ينتقل من تجربة سكنت الذاكرة، إلى تشكيل لغوي مستمر في العالم، ولاسيما بعد أن يموت مؤلف اليوميات، وهنا نشدد على أهمية أن تتحول الكتابة إلى تفعيل للوجود، فبغياب اليوميات سوف تُطوى التجربة، ويدركها النسيان، فكان لابد من تفعيل الخطاب اللغوي المضاد، القادر على ممارسة شكل من أشكال الرد، والتذكر. ولعل هذا ما تعلمه المستعمَر من الرجل الأبيض، فقد قام الأب «غيلبرت» بتعليم الفتى الافريقي «تاوندي» القراءة والكتابة… فالأب «غيلبرت» لديه دفتر يوميات، وهي من عادات الرجل الأبيض، كما يقول الطفل، الذي أفاد من المستعمَر كيفية توظيف النموذج الكتابي كي ينقل لنا تجربته، بحيث تحولت عملية الكتابة إلى وسيلة أو آلية استولى عليها المستعمَر من المستعمِر كي يتخذها أداة للمواجهة والرد.على مستوى البناء السردي، تتخذ الرواية تقنية السرد عبر يوميات يعثر عليها الراوي لدى شاب افريقي، ما لبث أن فارق الحياة نتيجة مرضه، وفيه يحكي قصته في مجال رؤيته للرجل الأبيض، حيث ينتقل للعمل خادما بعد أن يهجر عائلته وديانته معتنقا الديانة المسيحية، بتأثير من عمليات التبشير التي قامت بها الكنيسة، ولاسيما الأب «غيلبرت» الذي سرعان ما يموت في حادثة دراجة، لينتقل الطفل أو المراهق إلى العمل في خدمة القومندان الفرنسي وزوجته، هنا يدرك الطفل بأنه بات خادما للرجل الأبيض، حيث يقول:»سأكون خادم رئيس الأوروبيين وكلب الملك هو ملك الكلاب». وهنا لا ننكر ما للعبارة السابقة من تجذّر عميق في وعي بناء صورة الذات مقابل الآخر المتعالي.
من ملامح الصيغ الكولونيالية هدم الذات، أو اضطراب الهوية، وهذا ما يمكن أن تمثله الرواية، من حيث نسخ الوجود، فالطفل بعد انتقاله من الحاضنة الأصلانية، إلى الحاضنة البيضاء يغادر اسمه الافريقي «تاوندي» ويصبح «جوزيف».
من ملامح الصيغ الكولونيالية هدم الذات، أو اضطراب الهوية، وهذا ما يمكن أن تمثله الرواية، من حيث نسخ الوجود، فالطفل بعد انتقاله من الحاضنة الأصلانية، إلى الحاضنة البيضاء يغادر اسمه الافريقي «تاوندي» ويصبح «جوزيف»، وهذا يعني شكلاً من أشكال التخلي عن الذات أو الأنا، بتأثير من تداعيات العلاقة المتوترة مع الأب البيولوجي (والده)، وإغراءات قطع السكر التي يقدمها الأب الفرنسي «غيلبرت» للأطفال الذين يخدمون الكنيسة.
تتبدى الهوية ضمن بناء مضطرب… فإذا كانت قد بدأت من تعديل الاسم، غير أنها لا تنتهي بتحول الذات الافريقية إلى ذات فرنسية، إنما تبقى في حالة إرجاء مستمر، فعند لقاء الراوي مع «تاوندي» المحتضر حيث يقول: «أخي، ما نحن؟! ما نحن، الرجال السود المسمون فرنسيين؟! وصار صوته يقطر ألماً». إن ذلك الاستغراق بالعالم الأبيض قد تسبب بهذه النتيجة، فالحضور الأبيض على الأرض السمراء، أطلق نزعات الطمع لدى بعض السكان الأصلانيين، بالتجاور مع الرغبة بتمثّل صورة القوي، كما تجسدها الذات البيضاء، حيث ينبهر الطفل بهذا الحضور في مستهل الرواية: «سأعيش طويلا حتى تشيخ عظامي لو كنت طيبا ولزمت بيتي». تشكل عملية التبشير صيغة تتكرر في العديد من الروايات الافريقية، التي تعالج التسلل الاستعماري للأرض الافريقية، ونموذجه الأكثر شهرة رواية تشينو أتشيبي، «الأشياء تتداعى»، فالتبشير يعني الخطوة الأولى من خطوات فكفكة الهوية الافريقية، علاوة على محاولة فصم العلاقة الروحية بين الأرض والإنسان، كما أنه يقوم بخلخلة الوعي الافريقي، وهنا تلعب قطع السكر مجالا للإغواء لدى الأطفال الذين يتخلون عن وعي أسلافهم، بينما يتحول الإيمان بالمسيح، وتعاليم الكنيسة إلى شكل من أشكال الخنوع، وقبول الهيمنة بحجة أن تكون رجلاً صالحاً يرضى عنه الرب.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com