ثقافة

 

المسرح في العراق: مشروع تنوير لمْ يتمأسس

عدد المشاهدات   102
تاريخ النشر       10/07/2019 09:17 PM


 مروان ياسين الدليمي

بعيدا عن ما يتم تقديمه من عروض مسرحية تغلب عليها السمة الأكاديمية في معاهد وكليات الفنون الجميلة، فإن عروض الفرقة الوطنية في بغداد التابعة لوزارة الثقافة، وأخرى بأعداد قليلة جدا تشهدها محافظات معينة مثل البصرة وكربلاء والناصرية والحلة وكركوك والموصل، يمكن القول بأنها من حيث أساليب الإخراج تتوزع بين عروض تقليدية في بنية خطابها الفني، وعروض تشتغل في نسق علاماتها خارج منظومة الخطاب الفني الكلاسيكي،
 لكنها لا تخرج عن محاولة استنساخ تجارب غربية، وغالبا ما يكون فيها جسد الممثل أيقونة تشفير، بقصد الانسلاخ عن مقترحات جمالية متداولة لدى المتلقي، كما في أعمال المخرج أنس عبد الصمد بشكل خاص، وسنان العزاوي وعماد محمد، ويمكن إضافة أعمال المخرج بيات مرعي في مدينة الموصل إلى هذا السياق، وعلى الرغم مما تروجه هذه الأسماء من قناعات، تشير فيها إلى أن عروضها تدخل في مساحة التجريب، إلاّ أن هذا التوصيف يبقى أبعد ما يكون عن الدقة والموضوعية، طالما الفعل الإجرائي لأعمالهم لم يستند إلى فرضيات تنظيرية خاصة بهم وبتجاربهم ذاتها.
كوميديا نمطية
من حيث البنية الأسلوبية فإن جميع العروض الكوميدية لا تخرج عن أن تكون إعادة إنتاج لصورة نمطية ترتكز على مشاهد منفصلة، تفتقر إلى الحبكة الدرامية، ويغلب على موضوعاتها التناول السطحي للمشكلات المجتمعية، مع غياب هاجس المعالجة الفنية القائمة على التجديد، والبحث عن حلول مبتكرة يتوفر فيها الإدهاش في مفردات خطابها الفني، وهذه الأعمال المسرحية كانت قد بدأت في الانتشار بشكل سريع في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأسباب ظهورها آنذاك تعود إلى هجرة العاملات في المراقص الليلية ناحية مسارح القطاع الخاص والعمل فيها بصفة ممثلات، بعد أن أغلقت الحكومة العراقية ضمن حملتها الإيمانية بعد حرب الخليج الثانية 1991 معظم النوادي والمراقص الليلية، ومن المنطقي أن تكون في مستواها الفني وفي بنية خطابها على درجة عالية من التوافق مع طبيعة جمهور النوادي الليلية، الذي أسرع متجها إلى مسارح القطاع الخاص، بحثا عن الترفيه المبتذل، فكان أمرا طبيعيا أن ينتقل الرقص الذي كان رائجا في مواخير الليل إلى هذه العروض، ويصبح فقرة أساسية، فتحول هذا النوع من العروض إلى حفلات صاخبة تعج بكل ما هو رخيص من أجساد وألفاظ ومشاهد، إلاَّ أن هذا المسار شهد تراجعا كبيرا لفترة محدودة بعد سقوط بغداد عام2003 ، ثم عاود الظهور مرة أخرى خلال الأعوام القليلة الماضية، بعد أن شهدت البلاد ظهور طبقة جديدة من الأثرياء تفتقر إلى التعليم والثقافة، كانت تعيش على هامش المدن والحياة، لكنها استثرت بشكل سريع جراء نهبها للمال العام.
استنساخ تجارب عراقية رائدة
أيضا تنتمي إلى منظومة المسرح التقليدي، عروض ليست سوى محاولات لاستنساخ تجارب مسرحية عراقية طليعية، سبق أن أقدَم عليها مخرجون عراقيون منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، في مقدمتهم المخرجان قاسم محمد وصلاح القَصَب، وما يسجل على هذه المحاولات أن مخرجيها ومعظمهم شباب، لم يتمكنوا من مغادرة تجربة هذين الاسمين، خاصة صلاح القَصَب، بما حملت تجربته في أفقها التنظيري ومختبرها العملي من تمرد جمالي على بنية العرض التقليدي في مجمل مفرداته، ابتدأ من رؤيته كيفية التعامل مع النصوص الكلاسيكية التي اشتغل عليها، وكانت معظمها لأسماء كبيرة في الأدب المسرحي مثل، شكسبير وتشيخوف، لعل أبرزها «الملك لير»، «ماكبث»، «الخال فانيا»، حيث لم يقف عندها باعتبارها نصوصا مكتملة البناء الدرامي، ولا يصح إجراء أي تعديل عليها، بقدر ما كانت بالنسبة له مجرد نقطة انطلاق لبناء مشروع عرض مسرحي لا يشكل فيه الحوار عنصرا أساسيا، وغالبا ما كان يلجأ إلى اختزال سطوته الأدبية، خاصة أن التمارين لديه كانت تستغرق فترة طويلة، يخضع فيها مشروع العرض إلى منهج قائم على منطق الهدم والبناء إلى آخر حفلة عرض، ولأجل أن يحقق ما يرتسم في مخيلته الجامحة من صور غريبة، كان يمنح جميع العاملين معه، وفي المقدمة منهم الممثلون فرصة المساهمة في عملية الاكتشاف والخلق الفني، من هنا كانت البنية الجمالية لعروضه تتسم بطغيان الجانب الشكلاني، بمدلولاته التي تسرح عاليا في فضاء التأويل مقابل تراجع مفردات النص الأدبي، وهنا سيكون من الصعب فرز عدد من الأسماء التي حاولت وتحاول أن تؤكد حضور تجربتها وسط مناخ أسلوبي فرضه القَصَب على السياق العام للعروض المسرحية العراقية، خلال عقدين من الزمان، ابتدأ من مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وما يزال هذا الحضور يفرض هيمنته على الأجيال الشابة الجديدة، رغم توقفه عن العمل منذ مطلع الألفية الثالثة، إلا أن هذا التشخيص لا يقلل من أهمية ما تم إنتاجه من أعمال مسرحية ضمن هذا السياق خلال العقد الماضي، الذي أعقب عام 2003، خاصة أن الجهود تحركت في إطار تقديم عرض مسرحي يتقدم فيه العنصر الشكلاني على محتوى الخطاب، رغم أن معظم العروض موضوعاتها كانت وما زالت تدور حول الحرب والإرهاب، وما تخلفه من تداعيات على بنية المجتمع والإنسان.تمكن الرواد من أن يتركوا إرثا فنيا مايزال يشع بريقه، كما في تجربة إبراهيم جلال وقاسم محمد وسامي عبد الحميد، حيث شكل هؤلاء الأعمدة الأساسية التي استند إليها بناء المسرح في العراق.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com