شخصيات

 

جورج اوريل .. طفولته البائسة وراء إبداعه الروائي

عدد المشاهدات   306
تاريخ النشر       26/07/2019 10:55 PM


لم يَرغب جورج أورويل في كتابة سيرته الشخصية والروائية وقد ورد ذلك في وصيته لكن برنارد كريك أستاذ السياسة في كلية الدراسات الجزئية بجامعة لندن رأى في حياة جورج أورويل وإنجازاته الكثير مما ينبغي أن يقال عن هذا الرجل الذي اختلفت آراء النقاد والقراء بشأنه طوال حياته وما بعدها، وقد حاول برنارد كريك في كتابه (جورج أورويل سيرة حياة) أن يبتعد عن الخصوصيات الجارحة والخفايا التي لا علاقة لها بأعمال الكاتب. كانت المهمة الأساس هي اكتشاف ومعرفة شخصية (أورويل) إنسانياً ومن ثم الدخول إلى عقله وطريقة تفكيره في حالات الكتابة، حتى أنه علي ما يبدو تقمص أو تماهى مع هذا المبدع كيما يل ويتوغل إلى داخله البعيد الغامض العميق، وعاش بين كتاباته ردحاً من الزمن تفرغ فيه تماماً لدراسة أوراقه الخاصة وأرشيفه الشخصي وتجاربه في كتابة القصة القصيرة والمقالة والشعر والرواية. وأيقن بمرور الوقت أن العلاقة جدّ معقدة بين حياة (جورج أورويل) وكتاباته ذلك أن معظم ما كان يكتبه يأتي عن تجاربه الشخصية ومعاناته وخبايا نفسه المضطربة. وبرغم الوصية التي جاء فيها عدم رغبته في كتابة سيرة حياته فقد تم تجاوز تلك الرغبة كما حصل في السابق مع (توماس هاردي) مؤلف (عودة المواطن) و(جوزيف كيبلنغ) الحائز على جائزة نوبل، وكل واحد منهم ــ أورويل وهاردي وكيبلنغ ــ رفض المتاجرة بالعواطف عن طريق كتابة المذكرات على أنها آخر شهيق في جسد المبدع. يبتعد برنارد كريك عن أية خصوصيات منزلية بحسب قوله ويرى أنه بمرور الزمن سيكون لهذا النوع من الكتابات ما يثير الدهشة ويحقق الفائدة إذا ما عرفنا أن نوعية المبدعين ستأخذ أشكالاً متنافرة ومختلفة في التفكير والتعبير والطقوس وتصبح دراسة كل واحد منهم بمثابة اكتشاف (هو حق من حقوق البشرية) ولا يعني الكاتب وحده.
الفصل الأول في سيرة حياة جورج أورويل جاء بعنوان (كنت ولداً رياناً) والثاني والثالث أيضاً عن طفولته التعيسة التي كانت أول أسباب كتابته لرواية (1984) بعد أربعين سنة على خروجه من رقابة الممنوعات في مدرسة سانت سيبريان الرهيبة التي يسمع فيها أشياء تبعث الضجر والكوابيس في نومه ويقظته فهو ما يزال يتذكر قول تلك المعلمة الصارمة التي تكرر عليهم: ستقع ميتاً إذا دخلت الكنيسة وقبعتك على رأسك. إذا كذبت ستظهر بقعة سوداء على لسانك. يستطيع البجع أن يكسر ساقك بضربة من جناحه إذا سرقت. إذا غسلت يديك بالماء الذي سلق فيه البيض ستظهر على يديك الثآليل. وغيرها الكثير من حالات الترهيب التي يسمعها الطفل (إيريك آرثر بلير) وهو اسم جورج أورويل الحقيقي قبل شهرته مما جعل الحياة في مدرسة سانت سيبريان جحيماً يومياً لا يطاق، وتأتي العطلة الصيفية أقرب ما تكون شبهاً بالخروج من السجن إلى الفردوس. وقد تأكد على لسان كل من يعرفه أن (أورويل) لم يكن ذاك الإنسان السعيد أبداً (وهو من مواليد شهر حزيران (يونيو) عام 1903 ومسقط رأسه في البنغال والده كان يعمل في دائرة الأفيون في حكومة الهند وتجارة الأفيون كان مسموحاً بها آنذاك) ويأتي وصف تعاساته في عدد من الكتب المؤلفة عن حياته وطفولته وأقرانه بينها (عالم جورج أورويل) و(دليل القارئ إلى جورج أورويل) إلى جانب (أورويل المجهول) ثم الكتاب المخصص عن طفولته وصباه ويفاعته والذي جاء تحت عنوان (إيريك ونحن) وهو الكتاب الوحيد الذي ورد فيه اسمه الحقيقي قبل أن يصبح كاتباً. ‎‎‎معروف لدى القراء في كل مكان، أن جورج أورويل كان قد نال شهرته عن رواية (مزرعة الحيوان) أولاً ومن بعدها عمله الخطير المتميز (1984) وكلاهما تحولت إلى فيلم سينمائي، بينما نجد الكثير من النقاد يؤكدون أهمية رواياته الأخري ــ الصعود من أجل الهواء، الطريق إلي رصيف ويغان، أيام بورمية، ودع الدراقة طائرة ــ أكثر من اهتمامهم بمزرعة الحيوان و 1984 ويبدو جلياً أن السياسة لعبت دورها في تهميش هاتين الروايتين منذ أول مقالة كتبها جورج أورويل عن حياة الفقر في باريس ولندن اختفي اسمه المنقوش في جنسية أحواله المدنية، وقد مات عام 1950 بعد إصابته بمرض (السُل) ولم يكمل الخمسين من العمر، رأى قبل رحيله أول طبعة من (1984) ولم يعلم بما فعلته تلك الرواية من انقلابات في بريطانيا وفي عموم أوروبا بعد ذلك. جورج أورويل في كافة أعماله متشائم ينتصر الشرّ على الخير في نهاية المطاف ورواياته صيحات إنذار (أيها الإنسان عليك أن تحذر من الاستبداد والطغيان فقاوم بكل ما لديك من قوة قبل فوات الأوان). في رواية 1984 يقوم الممثل الشهير ريتشارد بيرتون بدور نائب الأخ الأكبر في عمليات غسل الدماغ وتعذيب المخالفين لشروط الحياة التي يقررها الحاكم المستبد والتي جاء في أول بنودها (ممنوع الحب بين الجنسين إلا بموافقة الحزب)! تأثر أورويل منذ طفولته بكتابات جورج برنارد شو وسومرست موم وصاموئيل بتلر وقرأ كافة أعمال هـ. ج. ويلز وكان كومبتون ما كنزي قد أشعل حرائق الدهشة في نفس الصبي إيريك بلير بروايته المذهلة وشارع الفساد والتي قرأها أكثر من خمس مرات. أصدقاء جورج أورويل على حالة من العجب (لماذا يقرأ هذا الصبي المزعج كل هذه الكتب السميكة وهل تراه يفهم حقاً ما جاء فيها؟). في روايته (أيام بورمّية) سيرة حياة أقرب ما تكون شبهاً بحياة كاتبها، وشخصية البطل (فلوري) هي نفسها المحطات التي مرّ بها جورج أورويل منذ عمل ضابط شرطة في مدينة بورما أيام كانت السيارة البريطانية هي الطاغية بالقوة علي شرق آسيا بل تراه يعمد إلى موت (فلوري) قبل أن يصل الشيخوخة دون أن يدري بأنه سيموت أيضاً قبل أن يكمل الخمسين من سنوات عمره! كل شيء في رواياته مزحوم بالسواد والغبار والحرارة حتى في عزّ الشتاء السجون والأسواق والبيوت والشوارع الخلفية حتي لتشعر أنت القارئ بكثير من الخوف والتعب والاشمئزاز وأنت تمشي بين السمك المجفف المربوط في أحزمة النسوة ــ كما في رواية أيام بورمّية ــ وتسمع قوقوة الدجاجات في أقفاص القصب وترى تماثيل بوذا بالنحاس الأصفر الذي تضربه الشمس فيؤذي عينيك، أسواق مكتظة بشرائح من جلد التمساح وحدوة فولاذية لثيران مخصية كفت عن الهياج وزحام خانق لا تشم فيه سوى عرق الأجساد التي ابتعدت عن الماء والصابون، ربما أنساها الظلم والظالم كيف تعتني بمساماتها وكيف تشعر بالنظافة وأنت في عالم محشو بالثوم والبصل وأوراق الفلفل والقرنفل والكركم وأحشاء الخنازير تأتي إلي أنفك من مسافة ميل بعيد!. ما من إشارة إلى الراحة أو الغنى أو السعادة إلا في بيوت المستعمرين ومن ثم بيوت الموالين لهم ولعل شخصية الشرير (أوبوكين) هي البديل عن خيانات بعض أهالي بورما حين يعمل هذا الشرير علي زيادة أمواله حتى إذا كانا لقتل إحدى تلك الطرق التي ستأخذه إلى بحبوحة أكبر وعيش رغيد. عالم جورج أورويل أشبه ما يكون بغابة لا تعرف أين بداياتها وأين ستنتهي وبرغم أنه عاش أيام الحرب العالمية الأولى لكنه يؤكد في إحدي مقالاته علي أنه (ما من شيء في الحرب كلها هزني بالعمق الذي هزتني به خسارة الباخرة تيتانيك وغرق المئات في ذاك المحيط الرهيب). وحين عاد أورويل إلى أوروبا عاش ما يقرب من عامين وهوى كتب الروايات والقصص القصيرة التي لم يقتنع أحد بنشرها وبعد أن أفلس تماماً راح يعمل في غسل الصحون ثم أعطى دروساً خاصة في مدارس رخيصة، يقول على الصفحة 183: ــ كنت أعيش أحياناً طوال شهور على الكفاف بين الفقراء وأنصاف المجرمين الذين يقطنون أسوأ الحارات وأكثرها فقراً أجوب الشوارع متسولاً وسارقاً وقد فعلت كل ما يفعله أولاد الشوارع هؤلاء! أما عن روايته الشهيرة (1984) فقد كان عنوانها قبل نشرها (الأحياء والأموات) ثم اختار لها عنواناً آخر هو (الرجل الأخير في أوروبا) ثم استقر رأيه على (1984) الذي ظهرت به الرواية قبل وفاته بوقت قصير. كان يكره المتعطشين للسلطة، ورواياته جميعها تنطق بتلك الكراهية للساسة والقتلة علي حدّ سواء وقد منعت دور النشر وبخاصة (دار غولانكز) نشر أعماله خوفاً من دعاوى التشهير التي كانت سائدة إبان حياته وبرغم ذلك الخوف ظهرت كافة رواياته وهي تسخر من الظلم والقمع والديكتاتورية البغيضة، بل فتح الطرق أمام أعمال كثيرة جاءت بعد رحيله وقد كانت في زمن سابق مجرد (بضاعة كاسدة) لا أحد يشتريها أو يقترب من طعمها اللاذع المخيف! هذا الكتاب على جانب كبير من الأهمية تعاون (المركز الثقافي العربي) في بيروت مع المجمع الثقافي في أبو ظبي على طبعه وتوزيعه، وقام الشاعر السوري المبدع ممدوح عدوان بترجمته إلى العربية بلغة سليمة عالية تستحق إعجابنا الذي طالما حققه بشاعريته قبل أن نعرفه مترجماً لشتي صنوف الفن والإبداع والمعرفة من إنجازات العقل الأوروبي الخّلاق، وحين تنتهي من قراءة سيرة حياة (جورج أورويل) ستشعر بأنك اكتفيت حقاً من اكتشاف هذا الروائي العملاق الذي شغل القراء شرقاً وغرباً وما يزال في ذاكرة الكتابة حتي يومنا هذا برغم مرور أكثر من 53 سنة على رحيله الموجع السريع. أما المؤلف برنارد كريك فقد أوشك أن يزاحم (هنري ترويا) في إبداع السيرة الذاتية لمن رحلوا من عمالقة الرواية حتي صار هذا النوع من الكتابات يزاحم بدوره الروايات التي كتبوها، حالة إخلاص لا حدود لها في دخول هذا العالم الغامض العميق الذي يتشعب من النفس البشرية ويصنع الأشياء العظيمة التي نراها علي ورق أبيض.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com