ملفات وقضايا

 

يهود بغداد والصهيونية 1920 - 1948 حين زُجَ زعيم الحزب الشيوعي العراقي فهد في السجن

عدد المشاهدات   1503
تاريخ النشر       07/08/2019 07:06 AM


 أري الكسندر   
  ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

في شباط 1947، حين زُجَ زعيم الحزب الشيوعي العراقي فهد في السجن، قام يهودي يُدعى يهودا صدّيق بإدارة شؤون الحزب. غير ان قيادته للحزب لم تستمر طويلاً. "ففي العراق في أي فترة في سنوات الاربعينيات العنيفة ـ وحتى لو لم تتصاعد المشكلة الفلسطينية إلى ذروتها ـ يكاد لا يكون في مصلحة الحزب ان يتبوأ يهودي موقع القيادة". ولذا فقد اصدر فهد امراً بتولي مالك سيف لقيادة الحزب. غير ان صدّيق تجاهل الأمر تجاهلاً كبيراً، وواصل الاشراف على نواحي عدة للحزب. وقد طرحت قيادة صدّيق المشكوك فيها وغير الفاعلة اسئلة حول وجود صلات صهيونية ممكنة. ويزعم بطاطو بعدم وجود دليل يدعم هذا الاتهام. وقد إنشق القادة اليهود الاكثر فاعلية ممن يحملون افكاراً شيوعية وشكلوا عصبة مناهضة الصهيونية في عام 1945. ولم يستمر عمر هذه المنظمة سوى ستة أشهر، حين اكتشفت السلطات انها لم تكن بالاساس منظمة مناهضة للصهيونية، بل كانت فعلياً منظمة شيوعية. وكانت منفذاً مهماً لبعض اليهود للنأي بأنفسهم شعبياً وعلى نحوٍ حاد عن الصهيونية وللتأكيد على هويتهم العراقية. وكانت صحيفة عصبة مناهضة الصهيونية، العصبة، توزع ستة آلاف نسخة، لتُثبت بان جاذبيتها أوسع من جاذبية صحيفة أية منظمة سياسية يهودية أخرى في ذلك الوقت. وحين صدر أمر بحل المجموعة وتنفيذ الإعدام شنقاً بالعديد من قادتها، فقد أُدينوا، بسخرية مأساوية، بوصفهم صهاينة. وكان هؤلاء هم اليهود الأكثر إلتزاماً بالاندماج بالمجتمع العراقي، وبالدمقرطة في العالم العربي، وبهزيمة الصهيونية لتأثيراتها الامبريالية والمسببة للشقاق في المنطقة. وحيث ان فاعليتهم السياسية كانت منسجمة مع الأفكار الشيوعية، وبذا فهي مهددة للدولة، فقد تعرضوا للإدانة. وكونهم يهوداً، فقد لقوا حتوفهم بوصفهم صهاينة. وفي السياق السياسي الأوسع، كانت (1947-1948) فترة للفاعلية السياسية والسخط من أطياف سياسية عدة. وكان صالح جبر، وهو أول رئيس وزراء شيعي، وطنياً معتدلاً ومهتماً للغاية بالعلاقات الانكلو-عراقية في وقت كانت تجري فيه مفاوضات للتوصل إلى معاهدة جديدة تحل محل معاهدة عام 1930. وقد تسببت معاهدة بورتسموث، التي وقعها صالح جبر وأرنست بيفن في العاشر من كانون الثاني 1948، باحتجاج شعبي لا سابق له من اليسار الشيوعي واليمين القومي المتطرف. وكلاهما لا يرغبان ببقاء العراق تحت الوصاية البريطانية. وقد أرغم توقيع هذه المعاهدة صالح جبر على الاستقالة في نهاية الأمر، ولكن ليس قبل الوثبة، وهي انتفاضة للشارع العراقي مناهضة للبريطانيين وحدت جميع أطياف المجتمع العراقي. ويجادل خدوري بان الوثبة كانت في نهاية الأمر تعبيراً عن "فقدان الشعب للثقة بالاوليغاركية الحاكمة" وهي لا تمثل نقداً خاصاً لمعاهدة بورتسموث. وقال ان اتفاقية بيفن-جبر" كانت محط شجب حتى قبل إنعام النظر فيها" وكان العراقيون غاضبين من دور بريطانيا في فلسطين، ومن فشل حكومتهم بالقيام بإصلاحات اقتصادية ومن ارتفاع الاسعار وأزمة الخبز.
الحركة الصهيونية السرية
شهدت أربعينيات القرن العشرين نشاطاً صهيونياً لا سابق له في العراق، وإن كان قد ظل بوتيرة متواضعة. ان تغيير اليشوف للسياسة في (1942-1943) لتشمل اليهود الشرقيين في خططهم الخاصة بالهجرة ترافقت مع النية باستغلال الفرهود في القاء الشكوك في عقول العديد من اليهود البغداديين حول مستقبلهم في العراق. وثمة حركة صهيونية سرية جرى تنظيمها في فلسطين عملت في العراق. منذ عام 1942. ولم يكن معظم اليهود صهاينة أو معادين للصهيونية. "وعوضاً عن ذلك، فقد كانوا ببساطة لا صهاينة عديمي الاهتمام ممن كانوا يأملون ان يفهموا المراد من حيواتهم اليومية في المنطقة الحدودية السياسية بين القوميتين العربية واليهودية". وقد توصلت دائرة التحقيقات الجنائية البريطانية إلى استنتاج مفاده ان اليهود العراقيين لم يكونوا صهاينة، وأنه إذا وحين يُفضي إنعدام الأمان بهم إلى اتخاذ قرار بالهجرة، فان فلسطين على الأرجح لن تكون هي المكان الذي سيتوجهون إليه. وقد قدمت ايسثر مائير غليتزنشتاين أفضل عمل حول الصهيونية في العراق من وجهة نظر اليشوف؛ فهي وآخرون أظهروا ان قادة اليشوف كانوا مدركين على نحوٍ جيد بأن الصهيونية قد عرّضت اليهود العرب إلى الخطر. وهم ينقلون الإحساس بأن القادة الصهاينة كانوا يخشون من سيناريوهات يوم القيامة لهولوكوست محتم في حالة عدم "انقاذ" اليهود. وكان اليشوف بحاجة إلى المزيد من الأجساد للعمل. ومع ورود أنباء الهولوكوست في أوربا، توصلوا إلى الإدراك بأن هجرة اليهود الذين يعيشون في العالم العربي ستكون ضرورية. وقال الياهو دوبكن، رئيس دائرة الهجرة في الوكالة اليهودية، في الثاني عشر من تموز 1943: "بإمكاننا ان نلخص مهمتنا إزاء أولئك اليهود بعبارة واحدة: الإخضاع الصهيوني لهؤلاء المنفيين بغية تصفيتهم ونقلهم إلى فلسطين". ولذا، فان خطة المليون التي وضعها بن غوريون، مع إنها لم تُنفذ حتى خمسينيات القرن العشرين، أُميط اللثام عنها في حزيران 1944 قد وضعت يهود الدول العربية في مركز المشروع الصهيوني. وقد احتوت الحركة على ما بالإمكان تسميته باستشراق صهيوني، بعد ان أضفت الصفة الذاتية على الهرمية الثقافية للحركات الاستعمارية الأوربية، التي دعمت التلاقي بين المبعوثين الصهاينة واليهود العرب. ولإفادتهم من إنعدام الأمن في فترة ما بعد الفرهود فضلاً عن قدرة الصهاينة على عبور الحدود إلى العراق قادمين من فلسطين وهم يتنكرون بهيئة جنود بريطانيين، فقد ارسل اليشوف أول مبعوثين لهم إلى العراق في 1942. وعلى الرغم من ذلك، فقد عرّضتهم نشاطاتهم للخطر فضلاً عن تعرّض أولئك اليهود العراقيين ممن مدّوا لهم يد العون ودعموهم إلى الخطر. وفي أول محاولة رئيسة للتنظيم حدثت برعاية انتو سيريني، وشمرياهو جوتمان، وعزرا خضوري، حيث كانوا مسؤولين عن تلقين المبادئ الصهيونية، والهجرة غير الشرعية، والدفاع عن الذات، على التوالي. وكانت مجموعة خضوري للدفاع عن الذات، المعروفة بشورا، الأكثر نجاحاً، حيث كسبت معظم الـ(550) عضواً في الحركة بعد السنة الأولى.وقد واجه المبعوثون المهمة الكبرى بتحويل اليهود العراقيين إلى صهاينة. وكما توضح ايسثر مائير غليتزنشتاين: أرادوا قيادة الناس، لتغييرهم، وجعلهم يهوداً جددا، كما هو الحال في أرض إسرائيل، وأخذهم إلى الكيبوتز، وتغييرهم، لمحو آثارهم العربية، وتحويلهم إلى شخص جديد. ومن ثم جعلهم على غرار الاشكينازم ممن لقوا حتوفهم في الهولوكوست، الذي كان وصمة لحقت بهم: وكان يتوجب عليهم أن يكونوا الشخص نفسه. وهذا يفسر سبب كون الحركة الصهيونية تنطوي على أهمية بالغة لأنَّ هذا الأمر كان مهمة الحركة الصهيونية ـ بناء هذا الشخص الجديد وقيادة الطائفة، أو لجعل العديد من الناس قدر الإمكان صهاينة ومن ثم المجيء بهم إلى إسرائيل. فهم بحاجة إليهم. وتمثلت إحدى العقبات الرئيسة التي واجهت المبعوثين في حقيقة ان العديد من البغداديين كانوا تجاراً، فقد كانوا ينظرون نظرة ازدراء إلى العمل اليدوي، وهو اساس ديمومة اليشوف. وقد كتب انتو سيريني قائلاً "حيث أنهم لا يعرفون الصهيونية والقيمة الأخلاقية للعمل ـ ويعتقدون فعلياً بأن العمل البدني موضع احتقار ـ فأن المشكلة الرئيسة التي واجهتنا في تثقيف اليهود العراقيين تتمثل في الثقافة ذات الاتجاه المحب للعمل"..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com