ثقلفة

 

الشعر السرياني في أربيل.. من الترتيل الى التشفير

عدد المشاهدات   130
تاريخ النشر       07/08/2019 07:25 AM


 مروان ياسين الدليمي
هنالك صعوبة تواجه من يحاول تقصي جذور الثقافة السريانية، خاصة ما يتعلق بالنتاج الشعري، وأسباب ذلك تعود إلى وجود حلقات مفقودة بين الفترات الزمنية التي عاش فيها الشعراء الأوائل، رغم العديد من الدراسات التي كتبها مستشرقون باللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية حول الأدب السرياني معظمها، تناوله من الناحيتين التاريخية واللاهوتية. هذا ما أشار إليه العراقي نوري بطرس في كتابه الموسوم «الشعر السرياني في أربيل..نشأته وتطوره» الصادر عام 2019 عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع .
الشعر والكنيسة
يتفق نوري بطرس في كتابه مع آراء معظم الباحثين في أن الشعر السرياني في بواكيره وبداياته كان كَنَسيا، خاصة في الفترة الواقعة بين القرن الرابع إلى القرن الثامن الميلادي. وإن رجال الدين هم الذين أوجدوه ونشروه، لأنهم اتخذوه وسيلة أساسية لنشر التعاليم الدينية، ولإِيلاء المراسيم الكَنَسية مزيدا من الأبهة. أما في ما يتعلق بالناحية الفنية فإن الشعر السرياني ينقسم إلى مجموعتين رئيسيتين: الميامر، وهي القصائد الموزونة والألحان، وتختص بالنوع القصصي والحماسي. والمجموعة الثانية الأنشودات، وكانوا يسمونها مداريش، ومن خلال هذه المداريش كان الشاعر برديصان ينشر تعليمه بين الناس، فكانت بمثابة مباحث علمية موجهة ضد الهراطقة والملحدين والسفسطائيين، وبعضها يحمل نبرة تحريضية، وأخرى كانت معينا لأعياد الكنيسة والقديسين، فكانت ترتل بعد الميامر لأنها تحمل معاني سامية وتعاليم روحية في ميلاد يسوع المسيح وعماده وصومه وأعماله، بمعنى أن المداريش تختلف عن الميامر، لأنها تمثل نوعا من الموسيقى الغنائية، وقد خلّف الشاعر مار أفرام عددا وافرا من المداريش.
يذكر الباحث الأب البير أبونا في مقال له تضمنه هذا الإصدار أن الأدب السرياني نشا وازدهر في بلاد ما بين النهرين تحت تأثير الديانة المسيحية، ويكفي أن طابعه المسيحي ونسبته إلى أدباء مسيحيين لا غير، وكانت مدينة «الرهَا» التي ظهرت في شمال بلاد ما بين النهرين بين نهاية القرن الثاني ق.م. وأوائل القرن الثالث الميلادي، المكان الذي انطلق منه الأدب السرياني، وقد نشأت بين هذه المملكة السريانية وأورشليم مهد المسيحية الأول روابط قوية وكذلك مع مدينة أنطاكيا، ومنها بدأت الآداب السريانية، ومن بينها الشعر المتغلغل في بلاد ما بين النهرين بعد القرن الثاني الميلادي. ويضيف الأب أبونا في هذا الإطار، ونظرا لأن السريان كانوا منتشرين فيها، كان من الطبيعي أن تكون مهدا للآداب السريانية، وفي السياق نفسه يشير مقال الأب روبنس دوفال حيث يقول إن الآراميين كانوا يشكلون غالبية سكان سوريا وبلاد مابين النهرين والمناطق الشرقية، ويقصد بها مدينة أربيل (حدياب) وأورميا وبيث جرماي (كركوك) وأطرافها، وبلاد الأهواز وأطرافها، وبعد اعتناقهم الديانة المسيحية استبدلوا اسم الآراميين بالسريان. ويضيف الأب روبنس أن اللغة السريانية تراجعت مع وصول الإسلام إلى العراق، حيث زاحمت اللغة العربية اللغة السريانية، وبدأت تحل محلها، وكانت الحقبة السابقة للفتح الإسلامي 637 م العصر الذهبي للأدب السرياني، وقد انحدر الأدب السرياني عموما إلى أحط درجة في القرنين العاشر والحادي عشر، بينما بدأت فنون وآداب اللغة العربية تزدهر تحت رعاية الخلفاء العباسيين في بغداد، إلا أن تلك النهضة في اللغة والعلوم والآداب العربية تحولت في ما بعد إلى حافز لنهضة اللغة السريانية، حيث شهدت صحوة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، على يد عدد من الكتاب أمثال: ابن الصلييي، ميخائيل الكبير، ابن العبري، عبد يشوعة الصوباوي وغيرهم. وبدا المستشرقون يهتمون بالآداب والشعر السرياني بشكل منتظم منذ القرن الثامن عشر، حين بدأ يوسف سمعان السمعاني يكشف عن أهمية هذا النتاج الإبداعي بما نشره في كتابه النفيس الموسوم «المكتبة الشرقية» الذي احتوى على ماكان قد استقاه من مخطوطات نفيسة حازها من دير السريان في وادي النطرون في مصر ومن مكتبات شرقية أخرى.
أربيل في التاريخ
مدينة أربيل أو أربل، كما اعتاد المسيحيون أن يلفظوا اسمها، تعد من أقدم مدن بلاد ما بين النهرين، وقلعتها الشهيرة تمثل إشارة شاخصة على ماضيها السحيق، وقد ذكرها المؤرخان ابن المستوفي وابن خلكان في كتاباتهما، وعرفت هذه المدينة في العصور القديمة باسم «حدياب» أو «أديابين» في زمن الفرثيين، وتعني «بلاد مابين الزابين» أيام الرومان واليونانيين، وهي «أربائيلو» في زمن الآشوريين، وتعني مدينة الآلهة الأربعة، ومنذ دخول المسيحية إليها في العصور الميلادية الأولى على يد «مار أدي ومار اري» تعاقبت عليها المطرانيات الكلدانية.
تضمن الفصل الأول من هذا الكتاب ما يزيد على الخمسين مقالة نقدية تناولت الشعر السرياني الصادر في مدينة أربيل، كتبتها مجموعة من الباحثين المهتمين بالشعر والأدب السرياني.
البدايات الأولى
في ما يتعلق بتتبعه لبدايات الشعر السرياني يذكر نوري بطرس أن الشاعر وفا الآرامي كتب قصائده في فترة ما قبل الميلاد، رغم عدم تمكن الباحثين من الوصول إليها، ويضيف بهذا الخصوص أن الشاعر برديصان (154- 222) في نظر جميع المهتمين بالشعر المكتوب باللغة السريانية يعد الأب الروحي للشعر السرياني، وقد كتب أكثر من 150 قصيدة على طريقة مزامير داود، ويضيف بطرس في هذا الشأن، أن القصيدة السريانية استمرت في النضج والتطور بعد برديصان، خاصة لدى مار أفرام السرياني، خلال القرن الرابع الميلادي، ومَن جاء بعده مِن الشعراء، وأغلبهم حاولوا اقتفاء أثره أمثال: بالاي واسونا، قورلونا، نرساي، يعقوب السروجي، إسحق الأنطاكي، ابن العبري. أما في القرن الثالث عشر الميلادي، فقد شهد الشعر السرياني ازدهارا ملحوظا، وأبرز شعراء هذه الفترة: كوركيس وردا الأربلي، خاميس القرداحي، عبد يشوع الصوباوي، ثم أعقب ذلك فترة لم يكن الشعر السرياني في أفضل حالاته. وهنا يسجل الباحث نوري بطرس ملاحظة تتعلق بالقرن الخامس عشر الميلادي، يشير فيها إلى تحول تاريخي مهم بدأت تظهر علاماته في القصيدة السريانية، عندما انعطفت من حيث اللغة ناحية اللهجة العامية، واستمرت على هذا المنحى فترة طويلة مؤذنة بدخولها في عصر من الذبول والانحطاط، واستمر ذلك الحال حتى القرن التاسع عشر. 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com