ملفات وقضايا

 

يهود بغداد والصهيونية 1920 - 1948 لم يغادر إلى فلسطين للفترة بين 1946-1948 ســــــوى (65) يهوديـــــــاً عراقيـــــــــاً

عدد المشاهدات   2687
تاريخ النشر       08/08/2019 08:23 AM


 أري الكسندر   
  ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


لقد أُسستِ الحركة السرية من دون موافقة القيادة اليهودية البغدادية. ومع ذلك، لم تكن ثمة حالات واردة عن ساسون خضوري أو أي شخص آخر يقوض عملهم أو يتدخل فيه. ويبدو كما لو ان بعض وجهاء الطائفة قدموا، من خلال قنوات غير رسمية، مساعدة نقدية إسهاماً في تقليل قساوة عمليات التحقيق ووحشية الشرطة. وكما ذُكِرَ، فأن الغالبية الساحقة من اليهود لم يكونوا صهاينة. وطبقاً لمستوى الهجرة إلى فلسطين، لم يغادر إلى فلسطين للفترة بين 1946-1948 سوى (65) يهودياً عراقياً. وقد ملأ الإحباط ووجود حس بالفشل تقارير المبعوثين الصهاينة في العراق. ولاحظ سيريني بأنهم "يشعرون بالكرامة الوطنية والإنسانية بيد أنهم لم يبلوروا فكراً صهيونياً، أو حتى فطرة صهيونية" وثمة إيحاء ما بأن المبعوثين كانوا ناقدين لما ظهر لهم بأنه سذاجة وخداع للذات حول سلامة الطائفة ومستقبلها، التي ضللتها الثروة الاقتصادية وكانت تعيش كما لو أن الفرهود لم يحدث قط.
وكان هذا وقتاً شهد شغباً معادياً لليهود على امتداد المنطقة. وقد حدثت أعمال الشغب الرئيسة المعادية لليهود في الثاني من تشرين الثاني 1945 في القاهرة وأماكن أخرى لكنها لم تصل إلى العراق. ومهما يكن من أمر، فأن تأسيس الجامعة العربية والمزاج العام المتمحور حول قضية فلسطين أفضى فعلياً بالسلطات العراقية إلى التهديد العلني لليهود. وقد اصدر زعيم الشيعة في العراق فتوى حظر بموجبها بيع الأراضي لليهود في الدول العربية كافة. وابتداءً من عام 1947، صدر إجراء جديد توجب على اليهود في ضوئه إيداع (1.500) دينار عراقي، تعادل فعلياً (1.500) جنيه إسترليني، كي يتم السماح لهم بالمغادرة إلى أي مكان. وكان لهذا الأجراء تأثير معرقل لطلبة الجامعات والمرضى المحتاجين للعلاج الطبي.
وقد سلطت الأنباء الواردة عن خطة التقسيم التي أقرتها الأمم المتحدة في عام 1947 المزيد من الضغط على اليهود العراقيين، حيث أصدر الحاخام الأكبر خضوري مرة أخرى بياناً أظهر فيه رفضه للصهيونية ودعمه للعرب في فلسطين. وقد تلقى اليهود تشجيعاً من قادتهم للمشاركة في التظاهرات الجماهيرية المناوئة لقرار الأمم المتحدة. وكان الطمس الأخير بين اليهودي والصهيوني قد حدث حين كان المتظاهرون يهتفون "الموت لليهود" وأُضرمت النيران بمعبد يهودي في بغداد في السابع والعشرين من نيسان 1948. وقد ساورت اليهود العراقيون الخشية على وجودهم عشية إعلان استقلال إسرائيل. وقد لزموا منازلهم، خائفين من الذهاب إلى أعمالهم لأنَّ مجزرة أسوأ من الفرهود قد تكون بانتظارهم. وكان الصهاينة، غير القادرين على كسب أكثر من ثلة قليلة من اليهود العراقيين، قد غرسوا قبل وقتٍ طويل بذور الضغوط المعادية لليهود. وحين ارتبط الأمر بالقومية العراقية، المدعومة بسنوات من الدعاية النازية، فأن أمن اليهودية العراقية لم يعد مستداماً.
ويبدو كما لو ان اليهود في بغداد عاشوا بجوٍ من الرخاء حين سيطر البريطانيون على المشهد السياسي المحلي، وقد وجدوا أنفسهم محاصرين بمجموعة من العوامل المحلية والخارجية، حين كان حماتُهم البريطانيون غائبين عن المشهد. ان أياً من هذه العوامل لوحدها- لا الصهيونية، ولا الدعاية النازية، ولا الامتياز الذي كانوا يحظون به في ظل الحكم البريطاني- كانت ستعمل على تقويض موقع اليهود البغداديين. غير ان هذه العوامل مجتمعة ساعدت في بلورة عامل دفع كافٍ لجعل مهمة المبعوثين الإسرائيليين في (1949-1951) سهلة نسبياً. ان العداء الناجم عن الصلة اليهودية ببريطانيا تحول إلى تهمة أكثر خطورة معادية لليهود جراء المناخ القومي الملهم نازياً في ثلاثينيات القرن العشرين وسدد ضربة أخيرة لليهود بتأسيس إسرائيل، وتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين، والهزيمة المذلة للجيوش العربية. وقد رحل يهود بغداد رحيلاً جماعياً إلى البلد الوحيد الذي كان سيقبلهم حينئذ. ولم يُصبحوا صهاينة؛ فقد سلكوا الطريق الوحيد المفتوح أمامهم. ولا يحوز اليهود البغداديون على مقدار كبير من القوة في هذه القصة، لأنَّ الفاعلين الرئيسين اللذين أثرا في حيواتهم كانا الصهاينة والقوميين العرب. غير ان قصتهم تُلقي الضوء على الكثير في ما يخص هويتهم اليهودية، والقوميتين العربية واليهودية، وتأثير الصهيونية في العلاقات بين اليهود وجيرانهم في التاريخ الحديث للشرق الأوسط.
الخاتمـــة
إن قصة اليهود البغداديين للفترة (1920-1948) لا يُمكن ان تُسرد سرداً شاملاً إلا باستحضار الموضوعات الرئيسة كافة المبحوثة في هذه الأطروحة، لكن بينما ثمة عوامل أخرى أسهمت في تقويض أمن وراحة أقلية يهودية تبلغ نسبتها ثلث السكان، فأن مزيجاً من العوامل المتمثلة بالصهيونية في فلسطين والقومية الخاضعة لتأثير المانيا في بغداد هي التي تجمعت لتعمل على تهميش اليهود البغداديين، وإخافتهم، وإخراجهم من العراق.
وكان اليهود والمسيحيون، بعد ان عاشوا قروناً بوصفهم ذميين، أكثر حماساً لأُطر التعليم والأفكار السياسية الأوربية. وقد مكّنتهم مهاراتهم بإجادة اللغات من الظفر بفرصٍ تعليمية حين كان البريطانيون يبسطون سيطرتهم على العراق. وثمة شبكات تجارية عالمية يهودية تنامت في إطار الإمبراطورية البريطانية سمحت لأقلية مرئية من اليهود بأن يُصبحوا وعلى نحوٍ سريع بعضاً من أثرى أثرياء بغداد. ومع تصاعد الكراهية حيال الإدارة الاستعمارية البريطانية، فقد أمسى الاعتماد اليهودي على الدعم البريطاني في حالة عزلة وخطر.
وقد تنامت حركة صهيونية صغيرة ولكنها مرئية في بغداد خلال عشرينيات القرن العشرين بزعامة "المعلم". ومنذ البدء، فأن جميع الشخصيات الرئيسة في الطائفة والغالبية الساحقة من اليهود أبعدوا أنفسهم عن الصهاينة، لإدراكهم للخطر الذي قد تشكله الصهيونية على أمن اليهود. وقد عدّت القومية العربية الاستعمار الأوربي والصهيونية العدوين اللدودين لها خلال سنوات تكوينها. ومع تلطخ صورة قوى رئيسة كفرنسا وبريطانيا جراء أفعالهما الاستعمارية، فأن العديد في بغداد تطلّعوا إلى المانيا بحثاً عن المساعدة. وثمة علاقة متعددة الأبعاد بين برلين وبغداد عملت على عسكرة القومية العربية وأضفت عليها طابعاً سلطوياً، في حين ان ثمة خطاباً متحمساً معادياً للسامية تبنته المانيا النازية يبدو أنه إنساب إلى قلوب وعقول الجماهير البغدادية من خلال الصحف، والاذاعة، والمدارس، والجيش. ومن الصعوبة بمكان الاستنباط من المصادر المستخدمة في هذه الأطروحة المعنى الدقيق الذي مثلته النازية لمناصريها العراقيين. ومع أنهم (أي القوميين العرب ـ المترجم) كانوا مؤيدين لألمانيا و(للنازية)، فقد عمل الصهاينة عملاً جاداً على تمييزهم (أي القوميين العرب ـ المترجم) بإيراد دليل مدون تدويناً ضئيلاً نسبياً عن معاداة للسامية على النمط النازي. غير ان اليهود البغداديين، الذين لم يشعروا بالألفة في الأوساط القومية العربية، والذين كانوا قد ابعدوا أنفسهم عن الصهيونية، باتوا  بالفعل ضحايا لعداء علني، تُوِجَ بأعمال الفرهود التي اندلعت في حزيران 1941. وبينما لم يكن الفرهود ليحدث لولا فراغ السلطة في بغداد في أعقاب فشل انقلاب رشيد عالي الكيلاني، فقد صدم على الرغم من ذلك الطائفة اليهودية المؤيدة تأييداً كبيراً للاندماج في العراق. ولم تستمر هذه الصدمة بالنسبة للغالبية الساحقة من اليهود العراقيين، ممن أفادوا من الفرص الاقتصادية في زمن الحرب وفضلّوا عدم الاستغراق في التفكير في أهوال الفرهود. وكانت الصهيونية السرية قادرة على تحشيد حركة كبيرة خلال اربعينيات القرن العشرين على الرغم من ان الموضوع المهيمن في مراسلاتهم مع اليشوف تمثل في الإحباط من الافتقار إلى الحماس لأفكارهم بين السكان المحليين، بل ان عدداً أصغر من اليهود أصبح فاعلاً في الحزب الشيوعي العراقي بحثاً عن رد فعل بديل للعداء الديني في البلاد.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com