ذاكرة عراقية

 

جدلية ثورة 14 تموز 1958

عدد المشاهدات   591
تاريخ النشر       08/08/2019 08:32 AM




د. عبد الله حميد العتابي
لم يَختلف العراقيون على حدث مر على تاريخ العراق المعاصر مثلما اختلفوا على ثورة  14 تموز 1958, هذا الحدث الذي غير مجرى تاريخ  العراق بشكل كامل, وزلزل الاوضاع السياسية في الشرق الاوسط واثار مخاوف بريطانيا والولايات المتحدة. وظلت الاسئلة  قائمة من قبيل هل ما حدث صبيحة 14 تموز ثورة ام انقلاب؟ هل جاءت الثورة بوصفها من ثمار الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي  والاميركي؟ ام كانت ثمار الصراع بين معسكرين عربيين اثنين احدهما عروبي ترأسه الرئيس المصري جمال عبد الناصر وثانيهما غربي قاده نوري السعيد؟ علما بان الاخير كان من حملة لواء السياسة العروبية وكانت له مشاريعه العربية وفي اولها مشروع الجامعة العربية ومشروع الكونفدرالية العربية. هل كان الحدث ثمرة صراع داخلي في العراق بين مجتمع نخبوي مدني تقليدي و بين مجتمع ثوري شعبوي؟ من هو القائد الحقيقي للثورة؟ هل هو الزعيم عبد الكريم قاسم ام عبد السلام محمد عارف؟ هل كانت الثورة حتمية ام كانت البداية لانحدار الحكم الى الديكتاتورية في عقود لاحقة؟ اكثر من ستة عقود مرت على 14 تموز 1958 وما زالت الاجابة عن تلك التساؤلات مثار خلاف جوهري يصل حد القطيعة و الشتم بين الملكيين والجمهوريين, والقومجية والشيوعيين. والسؤال الاهم هل اجابت المذكرات والاطاريح الجامعية والكتب والدراسات والبحوث التي تناولت احداث 14 تموز عن تساؤلاتنا. لا نغالي اذا قلنا, كتبت كثير من المذكرات والرسائل والاطاريح الجامعية وعشرات الكتب والبحوث والمقالات عن 14 تموز وقادتها في ضوء اهواء كتابها, وليس سرا ان الباحث كثيرا ما يقع في اهواء مذهبه السياسي او الطائفي او القومي او العشائري او المناطقي, وبالتالي يفقد مصداقيته في تفسير الحدث التاريخي وتحليله, ويفقد ابرز صفات المؤرخ وهي الحيادية في الطرح والنزاهة في التحليل. وحتى الكتب الوثائقية التي تناولت هذا الحدث الذي زلزل كيان الدولة العراقية كتبت بانتقائية غريبة, وبما يتواءم ويتوافق مع منظورها وخلفياتها السياسية ورؤية كتابها ودرجة بعدهم وقربهم من زعيمي الثورة او من فكرهما السياسي. وبمعنى ادق عرض الوثائق التي تخدم الغاية التي يؤمن بها الكاتب. ومن المهم الاشارة الى دعوة دكتاتور العراق صدام حسين ومنذ عام 1979 الى ما اسماه اعادة كتابة التاريخ على وفق الرؤية (البعثية) في الكتابة التاريخ السيئ الصيت, اذ انبرى (للاسف) خيرة اقلام مؤرخينا لادلجة احداث العراق على وفق رؤية (القائد المقبور). وكانت كتابة موسوعة تاريخ ثورة 14 تموز ابرز مشاريع  دعوة (بطل الهزيمة القومي) لاعادة كتابة التاريخ, ونتج عن ذلك قرابة عشرة اجزاء ابتعدت في مجملها عن انصاف رمز الثورة -عبد الكريم قاسم- لتمجد الضباط الطموحين الذين لم يكن لهم دور في الثورة, وتطلعوا الى مناصب اعلى, وقتلوا نتيجة تامرهم من امثال رفعت الحاج سري وعبد الوهاب الشواف وناظم الطبقجلي. وبتقديري ان تمجيد اولئك الضباط يكمن في معارضتهم لقائد الثورة عبد الكريم قاسم, في حين لم تنصف تلك الكتابات ناجي طالب  ورجب عبد المجيد وصبحي عبد الحميد. وبالعودة الى السؤال الاول، هل ما جرى صبيحة 14 تموز 1958 ثورة ام انقلاب ام حركة عسكرية؟ للاجابة عن هذا التساؤل لا بد من التوقف عند تعريف الثورة بابسط معانيها. ان الثورة: هو تغيير جذري في نظام الحكم السياسي يتبعه تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي في حين يرى ماركس ان الثورة هي مرحلة من مراحل التاريخ وان حتمية الحركة الثورية تكمن في عدم ملائمة النظام القديم وضرورة استبداله بنظام جديد يعبر عن مطامح الشعب. وبتقديري المتواضع ان هناك ثلاثة شروط ينبغي توافرها قبل ان نطلق على الحدث التاريخي ثورة هي:-
1- الواقع الفاسد
2- اداة التغيير
3- البديل المناسب
وحين نطبق ما جرى صبيحة 14 تموز 1958, فيمكن القول, بان الحدث بدأ انقلابا عسكريا, ثم تحول الى ثورة شعبية حقيقية ضد النظام الملكي. وارى من المناسب التوقف عن مواقف البعض حيال الثورة, يرى معارضو ثورة 14 تموز ان الثورة قد رسخت ثقافة الانقلابات العسكرية, واضفت الشرعية على العنف المستشري اصلا في البيئة الاجتماعية العراقية, وتاريخها الدموي, اذ سرعان ما شكلت الاحزاب مليشيات خاصة بها, كلفت بقمع المنافس الحزبي الاخر, فعلى سبيل المثال (المقاومة الشعبية) التي شكلها الحزب الشيوعي العراقي و(الحرس القومي) التي اسسها حزب البعث العربي الاشتراكي الفاشي. ويستشهد انصار هذا الراي برواية تاريخية وان كانت ضعيفة لكن مغزاها كبير  حين سأل احدهم نوري السعيد "باشا انت رابض على صدورنا منذ ثلاثين عاما, الا يكفي". فرد عليه رئيس وزراء العراق لاربعة عشر مرة قائلا: "بقائي على راس الحكم, اشبه بالسدادة في فوهة برميل تملأه القذارة, فاذا ابعدتوني عن فوهة السدادة, فان القذارة كلها ستطفح عليكم". في حين يرى انصار الثورة ان الثورة برغم عمرها القصير حققت اصلاحا زراعيا ثوريا واصدرت قانونا تقدميا للاحوال الشخصية ينصف المرأة ويمنحها حقوقا اسوة بالديمقراطيات الاوربية, وانشات مدنا جديدة لسكن الضباط, والفقراء والكادحين في احزمة البؤس المحيطة ببغداد. واصدرت قانونا ثوريا حدد من صلاحيات شركات النفط الاجنبية وقلل من الاراضي الممنوحة لاستثمارها. وبقى  ان اقول ان هناك عشرات الكتابات التي تناولت احداث ثورة 14 تموز لكن لا احد منها توقف عند امال مسؤول بريطاني بعدم السماح (لاي بغدادي وضيع الولادة بالرقص على قبره –يقصد النظام الملكي –قبل الاوان وبلا لياقة). انظر حنا بطاطو, الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العهد الملكي حتى قيام الجمهورية, ص 113. ثورة 14 تموز  1958 وبعد واحد وستين عاما من انطلاقها بحاجة ماسة لاعادة كتابة تاريخ فصولها, وانصاف زعمائها وبيان اثر الطبقات الكادحة الفقيرة التي كانت المستفيد الاول من الثورة, في الوقت الذي ينبغي ان ننصف بناة الدولة العراقية المعاصرة من امثال: الملك فيصل الاول والباشا نوري السعيد والفريق جعفر العسكري والشخصية الوطنية جعفر ابي التمن  وزعيم الحوزة الدينية محمد تقي الشيرازي وفاضل الجمالي وحيدر رستم وغيرهم كثيرون. وان القطيعة بين النظامين الملكي والجمهوري والتي طالما كرسها كثير من مؤرخينا ينبغي ان تنتهي الى ان ما حدث تطور طبيعي لشعب مثل الشعب العراقي عرف بخذلان قادته. حينذاك فقط سيجيب عن السؤال الذي حاول عبدالسلام محمد عارف -الرجل الثاني في ثورة 14 تموز- انتزاعه من زعيمه في اخر لحظات حياة عبد الكريم قاسم بانه من كتب بيان ثورة 14 تموز, غير ان قاسم ظل مصرا على انه قائد الثورة وهو من كتب بيانها.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com