ملفات وقضايا

 

العراق منذ فجر التاريخ حتى ثورة تموز 1958 العراق معروف للعالم أجمع بوصفه بلداً للعشائر الشهيرة بدوية كانت أم مستقرة

عدد المشاهدات   1041
تاريخ النشر       23/08/2019 09:33 PM


ستيفن همسلي لونكريك وفرانك ستوكس    ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

بالنسبةِ للدم العربي الخالص (وهو زعم ينطوي بحد ذاته على أسطورة، طالما أن الجزيرة العربية البدائية كانت مختلطة عرقياً) ما من ثمة شك يتعلق بأرضٍ يتألف سكانها المستقرون (كما سيظهر لاحقاً) من عناصر عدة، كانت قد عاشت وترعرت في قراها لألفيات عدة قبل ظهور العروبة بوصفها إحدى الإسهامات الإضافية. بيد أن انتشار اللغة العربية (عدا في كردستان) والفخر بهذه الثقافة، والتطابق الذاتي للشعب مع التاريخ والتراث العربيين، والوعي العاطفي وقبول المزاعم العربية في السياسة الحديثة، وتجمع المزيد من سكان البلاد بناءً على أسس قبلية، بل حتى الانحدار المزعوم لأسر عدة -أو قبائل بأكملها من أصول عربية، جعلت من دون أدنى شك أن الزعم بالانتماء إلى العروبة أمرٌ لا يمكن نكرانه. وهذا الأمر ينطبق على البلدة، والريف، والعشائر على حدٍ سواء، ويشمل العناصر غير المسلمة، كالطوائف المسيحية المتواجدة في المدن الكبيرة وفي سهل الموصل التي تتكلم اللغة العربية. وفي الحقيقة، مع أنه بالإمكان كتابة الكثير عن الصلة الدائمة (أو الأزمنة والأماكن ذات التطابق شبه الكامل) بين العروبة والإسلام، فإنهما في العالم المعاصر يخضعان لتمايز: فلا في العراق ولا في الدول العربية الحديثة الأخرى شكَّل الدين حاجزاً يحول دون القبول ضمن الطائفة العربية، وغالباً ضمن صفوفها الأكثر عسكرة سياسياً. وفي الوقت نفسه فإن المدى الذي يؤثر فيه الشعور العربي الذاتي في البدو، ورجال المدينة، ومزارعي القرى، والعشائريين أو ما شابه، يختلف اختلافاً واضحاً بقدر تعلق الأمر بالجوانب الشخصية والبيئية. وفي بنية الجسم والمظهر يُظهر العراقيون بوضوح اختلافات متغايرة لأصولهم. فالبنية النحيلة لعرب شبه الجزيرة العربية هي أبعد من أن تكون عامة، وتمتاز الجمجمة بطولها، واتساعها، أو توسطها، والبنية والقوام الجسميين لا يُظهران تماثلاً، واللون يتراوح من الخضاب المميز لأقوام وسط أفريقيا إلى اللون المميز لجنوب أوربا (واللون الثاني يكثر في المناطق الحضرية)، والنمط الشكلي لا يُعد أقل تنوعاً مع أنه في العادة يبعث على السرور. وتتضح آثار التمازج الحالي مع العرق الأفريقي -الزنجي في الأفراد والأُسر، فيما يظهر شكل الرأس "الأرميني" عند آخرين، وبالإمكان رؤية آثار عظم الوجنة "التركية" أو المغولية في المنطقة الآشورية، فيما تظهر نقاوة الجزء الأوسط من الجزيرة العربية بين الأقوام التي تسكن المنطقة الغربية من العراق. ويمتاز الأكراد بصلابة وقوة بنائهم الجسدي، وبحركاتهم المتأنية، ولباسهم المختلف. أما اللباس الفضفاض والمريح لسكان الريف والقرى في العراق، مع عباءاتهم السمراء المتدلية وغطاء الرأس الأزرق أو الأحمر فقد كانت شاعة الاستخدام حتى فترة قريبة. إلا أن الكوفية والعقال فسحت المجال للجيل الحالي لارتداء الملابس الأوربية في البلدات، والمدارس، والجيش. وضمن الطائفة العربية يتوجب بيان وجه الاختلاف كونه ينطوي على جوانب سياسية أحياناً، واجتماعية أحياناً أخرى أو كليهما. والاختلافات اللهجوية تعد أقل أهمية من كِلا الجانبين المذكرين؛ برغم أن لكل منطقة خصوصياتها، ومن السهولة بمكان التمييز من حيث اللهجة بين الموصلي من العاني، أو ابن الفرات الأوسط، أو البصرة، وهذه الاختلافات لا تنطوي على أهمية كبيرة؛ "فالخطاب الرفيع" للمجتمع المهذب يختلف اختلافاً طفيفاً، في حين أن أسلوب الصحف والمتحدثين الحكوميين يُعد أسلوباً متسقاً على نحوٍ كامل. وعموماً، فإن اللغة العربية العراقية تُعد أنقى صوتياً من تلك اللغة المستخدمة في الشرق أو في مصر، وتستخدم مفردات ثرة، بيد أنها تدين للاحتلال التركي الطويل بالتغلغل الممكن إدراكه (مع أنه يتناقص الآن) للكلمات التركية. والعراقي، شأنه شأن إخوانه العرب في كل مكان، يُعد محظوظاً ذلك أن لغته الأم -وهي مصدر فخر متواصل لكل عربي- هي لغة يشاطره في التحدث بها عشرات الدول، لذا فهو لا يشعر باي حاجز بل يشعر بكامل الألفة. والانقسام العميق في الإسلام نفسه، بين أتباع السنّة (التراث التقليدي للنبي) والشيعة، يقسم العراق انقساماً أكثر وضوحاً وتساوٍ، وربما على نحوٍ يفوق أي انقسام في الأقاليم العربية والإسلامية الأخرى. فالاختلاف، سياسي بالأصل، أمسى منذ قرون عدة اختلافاً عقائدياً وغيبياً أيضاً، وقد اكتسب في العراق منذُ قرون أهمية اجتماعية وسياسية كبيرة. فالجزء الشمالي والأوسط من العراق سني؛ في حين أن الجزء الجنوبي وبعض الأجزاء الوسطى شيعية؛ فمن الاعتبارات العائلية إلى تلك الاعتبارات المتعلقة بالتنظيم الديني، ومن المجموعات الحضرية إلى المجموعات العشائرية، ومن الانتماءات السياسية إلى الحصة المختلفة اختلافاً كبيراً (في زمن الأتراك، وليست من دون امتداد إلى الوقت الحالي) في الحياة العامة، والتعليم، والتعيينات، فإن الطائفتين المسلمتين الكبيرتين في العراق أظهرت لسنوات طوال تمايزاً مهماً. إلا أن هذا الأمر يتناقص اليوم، جراء تعزيز أواصر الاتصال المتبادل، وتسارع التحديث -وربما جراء عدم المبالاة فيما يتعلق بالأمور الدينية- والمسعى المشترك المستمر في الوقت الحالي فيما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية. والأمر نفسه ينطبق إلى حدٍ كبير، ولكن ليس انطباقاً كاملاً، على التمايز الإسلامي-المسيحي، الذي لما يزل ممكن إدراكه والإحساس به في مجالات أخرى لا تقف عند حد المجال الديني. فلا توجد عادة مصاهرات بين الطائفتين المسلمة والمسيحية، وبالإمكان تحسس وإدراك اختلاف فيما يتعلق بالفكر، جراء التقاليد المختلفة، ويجد المرء مقداراً أكبر في التخصص في المهنة بين المسيحيين (في التجارة، والحرف، والصناعة) فضلاً عن تبلور حس مستمر وحتمي للمسيحيين بمكانتهم كأقلية ضمن الطيف العربي. وتتمثل الطوائف المسيحية العربية بالكلدانيين (وهم نساطرة اعتنقوا الكاثوليكية)، والسريان الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، مع قلة قليلة جداً من البروتستانت. وهذه الطوائف تتمتع باعتراف الحكومة بوصفها طوائف معترف بها قانونياً. وجلهم يقطنون المدن، عدا القرى الكلدانية حول الموصل. ويتمتعون بمستوى تعليمي عالٍ نسبياً، بيد أن اشتراكهم في السياسة المحلية يتسم أحياناً بالتردد، وأحياناً أخرى بالحماس. وثمة أقليات أخرى تتكلم اللغة العربية إلا أنها غير عربية -الأرمن، واليهود، والمندائيون- سيتم التطرق إليها لاحقاً. وكان بالإمكان، في جيل مضى، التحدث بثقة عن الخطوط الواضحة للتمايز بين أقلية حضرية حاكمة أو من المحتمل أن تكون حاكمة، وبين الأقوام الأكثر تخلفاً للعشائر أو الريف. وفي الحقيقة، فإن اختلافات كهذه في التعليم، والوعي، والتطور، والطموح ما زالت أموراً ممكن تحسسها: فالطبقة المثقفة الغربية التعليم ما انفكت تقف بعيداً عن مربي الجاموس المائي في الأهوار، أو البدوي أو القروي الذي ما فتأ يفتقر إلى التعليم وتطغى عليه الأمية. بيد أن هذه التمايزات، الضاربة الوضوح، أمست أقل حدة سنوياً مع الانتشار الواضح للتعليم، وتسارع الاتصالات الداخلية وتسهيلها، والانجذاب إلى الحياة الحضرية، والبث الإذاعي اللاسلكي. والمراقب الحاذق ينبغي أن يأخذ بالحسبان فعلياً حدوث تغاير أقل في المستويات التطورية عما كانت عليه في السنوات السابقة، مع الأخذ بالحسبان أيضاً حدوث استيعاب أسرع في المستقبل. والأمر نفسه ينطبق بلا شك على العشائرية نفسها. فمؤسسة القبيلة العربية تختلف اختلافاً كبيراً في نطاقها، ودرجة ترابطها، وتقسيماتها الداخلية، ودرجة النظام في داخلها، وعاداتها الحياتية، ومراكز ولائها الأسطوري أو الحقيقي، والطبوغرافي أو النفعي؛ ومن المتعذر تحديد حدود الطوائف العشائرية، عدا في الصحراء، ذلك أنها تندمج مع أراضي أقوام غير عشائريين، وهي تتفكك ويتم استيعابها، أو (عدا بالنسبة للأفراد في أوقات الحاجة) تسمح للاعتبارات العشائرية بالتلاشي والاضمحلال جراء ضغط المصالح والولاءات الأخرى. والعراق، بوصفه بلداً للعشائر الشهيرة بدوية كانت أم مستقرة، وهو المعروف بهذه الصفة للعالم أجمع، يعد اليوم بلداً للعشائرية المتفككة، وفيه مالت المؤثرات الحديثة منذ سنين إلى الحد من سطوة العشيرة بوصفها خلفية مهمة للحياة، ومن المرشح أن لا يحدث ما من شأنه تعزيز هذه السطوة. وبرغم ذلك، فإن الفخر العشائري لربما يُمكن تحسسه لجيلين أو ثلاثة أجيال قادمة، ولربما يُمكن الإصغاء إلى المزاعم العشائرية –بحيازة الأرض، أو الاستثناء، أو الأسبقية- ومن المرجح أن يحدث نفس مصير الطوائف الأسكتلندية للعراقيين ذوي الوعي العشائري للقرن التاسع عشر والقرون الأقدم. فهو شكل للتجمع ليس له اليوم، في المناطق المستقرة وفي ظل حكومة ذات نمطٍ حديث وظائف أو ضرورة. ولكن شيوخ العشائر المهمة، أياً يكن موطن اتباعهم، ما زالوا يمثلون شخصيات لها وزنها، وغالباً ذات تمايز في المجتمع والسياسة العراقيين، وتتضمن رجال يتسمون بالقدرة والنفوذ.A

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com