ملفات وقضايا

 

العراق منذ فجر التاريخ حتى ثورة تموز 1958 يكتسب اليهود العراقيون مكانة تتسم بالثراء النسبي والنفـــوذ الاقتصـــادي والتمثيـــل فــي الحكومــــة

عدد المشاهدات   417
تاريخ النشر       27/08/2019 02:40 PM


ستيفن همسلي لونكريك وفرانك ستوكس    ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


ثمة ماضٍ ومستقبل مختلف يَخص اليهود العراقيين، الذين قطنت طائفتهم في البلد منذ عصور طويلة عبر "مياه بابل" وكانوا حتى منتصف القرن الحالي الطائفة الأكبر، وربما الأكثر تقدماً من كل الطوائف اليهودية الأخرى في آسيا. وهم يتمايزون تمايزاً واضحاً بالدين، والعادات، والتقاليد عن الغالبية المسلمة، ويتمايزون تمايزاً كبيراً أيضاً بنطاق مهنهم الحضرية، والأحياء التي يقطنوها بل حتى في لباسهم، ويكتسب اليهود العراقيون، منذ العصور الوسطى، مكانة تتسم بالثراء النسبي، والنفوذ الاقتصادي، والتمثيل في الحكومة، وفي الأوقات الاعتيادية التحرر من الاضطهاد، مع أن الأمر لا يخلو قط من اكتسابهم لوصمة نقص أو دونية فيما يتعلق بجانب القبول الاجتماعي. وعددياً كانت بغداد في عام 1914 مدينة يهودية أكثر منها عربية، وما من بلدة في البلاد تخلو من الطائفة اليهودية المثابرة، والمطيعة للقانون، والتي تتكلم اللغة العربية. أما الأرمن العراقيون فلديهم جوانب تشابه مع اليهود في موهبتهم المتميزة في المجالات التجارية، والصناعية، والحرف اليدوية، وفي المهارة، والاقتصاد في الإنفاق، والمستوى التعليمي المتقدم نسبياً، وفي استيعابهم السريع، مع أنه غير كامل، ضمن الطوائف ذات الغالبية. والأرمن، الذين لعبوا دوراً صغيراً أو لم يلعبوا أي دور في السياسة العراقية الحديثة، برغم إحرازهم لتقدم أحياناً في الأوساط الاجتماعية الرفيعة، فقد احتفظوا بولاء مطلق لكنيستهم التاريخية وأمتهم التي طال تشتتها، واحتفظوا بلغتهم الخاصة فضلاً عن العربية: بيد أنهم لا يحوزون على طموحات قومية (بعد الدمار الذي لحق بالمزيد من مستوطناتهم الأكبر في تركيا في السنوات المنصرمة) فضلاً عن كونهم رعايا عراقيين ملتزمين بالقانون. وهذه الأقليات، التي تُضيف ثراءً وتنوعاً للمشهد العراقي وتُسهم بمواهبها في خدمة المجتمع والاقتصاد، لا تُشكل برغم ذلك –مع الاستثناء الوحيد والأهم المتمثل بالأكراد- جزءاً مهماً من السكان، ولا تُشكل كذلك مشكلات للحكومة، ولم تحد سوى من جزء يسير من الهيمنة العربية-الإسلامية على الدولة والبلاد.
الأرض والماء
باستثناء ثرائه غير الاعتيادي بالنفط (وهي ثروة لم يدركها سوى الجيل الحالي)، وإمكانياته الزراعية، فإن العراق يُعد بلداً يمتاز بالنقص المحزن في ثروته الطبيعية؛ فغاباته هزيلة وتالفة وهي بحاجة إلى إعادة تخطيط وتأسيس بالكامل، وبالتالي فإن قيمتها كبيرة والأمل بتقليص تآكل التربة سيكون أمراً مسوغاً على نحوٍ كبير. والوقود، عدا النفط والقار، مقتصرة على طبقة صغيرة ومنفردة من الفحم القاري؛ وللافتقار إلى موارد أفضل، يتم بالعادة استخدام الأشجار الصحراوية الضئيلة كوقود منزلية ولتوفير أتون الآجر، فضلاً عن قيام القرويين بتجهيز مطابخهم بالروث المجفف. وتوجد مواقع مناسبة في منطقة الجبال لإنتاج الطاقة الهيدرو-كهربائية، ولكن على حساب الأعمال الرئيسة للسدود والإنشاءات، وهي في الغالب بعيدة عن مراكز الاستهلاك. فالبناء الحجري، الذي شمل "رخام الموصل" الرقيق الذي يستخدم للزخرفة أيضاً، يقتصر حصرياً على المنطقة الشمالية، حيث تتوافر مواد لصناعة السمنت فضلاً عن الجص المحترق كلياً المستخدم كملاط: وهناك أيضاً الآجر المجفف بأشعة الشمس أو بالحرق المتوافر في أماكن أخرى، زيادة على الطين المجفف والطلاء، مع عشرات الاستخدامات كجذوع، وألياف، وسعف، وأوراق أشجار النخيل. ويتوفر الملح بغزارة، بيد أن الأمر لا ينطبق على المعادن عدا الكبريت والكوارتز. وتنمو النباتات البرية، التي يُمكن الاستفادة منها واستغلالها، على ضفاف الأنهار، والتي بالإمكان تصديرها بكميات كبيرة: ويوجد أيضاً صمغ الكثيراء الذي يتم الحصول عليه من الشجيرات الشائكة في الجبال الشمالية فضلاً عن وجود العفصات الجوزية في أشجار الملُّل (الملُّل: بلوط تُستخدم أقماع أثماره في الدباغة-المترجم).وإذا كانت المواد الأولية المعدنية والنباتية القادرة على الإسهام في الصناعة المحلية أو التصدير شحيحة، وإذا كانت الحياة الحيوانية تسهم بالقليل في ذلك أو لا تُسهم بالمرة، فإن إنتاج البلد من المواشي والقطعان بإمكانه أن يُسهم بالكثير. فقد كان العراق وعلى امتداد التاريخ بلداً للخراف شديدة التحمل، التي تعد جلودها، وصوفها (مع أنه ذات نوعية ليست بالجيدة أو بالرديئة)، ولحومها، و"أمعائها بعد تنظيفها"، أشياءً مفيدة وذات قيمة تجارية، فضلاً عن الماعز الأكثر تحملاً الذي يتم استخدام حليبها وشعرها (النسيج المميز في صناعة الخيمة العربية) محلياً؛ والجواميس المائية الغنية بالحليب والجلد؛ والماشية، التي تمتاز بحليبها زيادة على استخدامها في الحرث وتدوير النواعير المائية، أما في كردستان، فيتم استخدامها لحمل الأمتعة أيضاً. وتربية المواشي بمختلف أنواعها شائعة الانتشار على امتداد البلاد، مع أنها حتى اليوم تجري على العموم وفق أسس بدائية: ويُعد إسهامها في الصناعة المحلية إسهاماً مهماً، وكان لتصدير الإنتاج الحيواني –بالصوف، والشعر، والأمعاء بعد تنظيفها، والشحوم، والجلود، فضلاً عن الحيوانات الحية- قيمة كبيرة. وتتم تربية الجمال، في المناطق الصحراوية أو المحاذية للصحراء، للاستفادة من لحومها وحليبها علاوة على قدرتها على حمل الثقال والأمتعة، فضلاً عن حقيقة أن الحياة البدوية والهجرة لا تُطاق بدونها؛ إلا أن مساحة تواجدها واستخداماتها تتناقصان في الوقت الحالي ذلك أن احتكارها للنقل الصحراوي يتلاشى، فقد سادت وسائط أخرى. وتُستخدم البغال، والخيول، والحمير لحمل الأثقال، وجر المحاريث فضلاً عن امتطائها. والسلالات الشهيرة من الخيول العربية كانت على الدوام محط تقدير كبير، من ناحية العاطفة ومن الناحية الاقتصادية على حدٍ سواء، ولا زالت موضع تثمين مع أن تجارة تصديرها تتناقص الآن. وفيما يتعلق ببلورة نظرة أكثر عمومية وأكثر ثقة لموارده، يُعد البلد فريداً بين الدول العربية، وفي غربي آسيا، لتوليفه بين أراضيه الواسعة الصالحة للزراعة مع مياهه الغزيرة: وهي هبة مشتركة منحته إياها الطبيعة التي جعلته عبر التاريخ بلداً يتسم بزراعة واسعة النطاق فضلاً عن كثافتها. وفي الواقع، فإن نسبة كبيرة من مجمل أرضه غير صالحة للزراعة، جراء وجود مواد قاحلة (الرمل، أو الصخور، أو مستنقعات الملح) أو ارتفاعه فوق المستوى الممكن للري، أو جباله الوعرة؛ بيد أن المزيد من أراضيه تبقى صالحة للزراعة أكثر حتى من التدفق الكامل للنهرين الذي بالإمكان الاستفادة منه في الإرواء في وقتٍ واحد. إن وسائل لزراعة كهذه ينبغي بالضرورة أن تتراوح طبقاً لمنطقة الإقليم، ووسائله، والجوانب الاقتصادية للري: بيد أن النجاح في كل مكان (عدا الهدف المتواضع لمجرد العيش) لا يُمكن ضمانه إلا إذا كانت الزراعة كفوءة تقنياً فيما يتعلق بجعل إنتاجه المحلي يتنافس مع المصدرين المنافسين -الأمر الذي لم يتحقق في الماضي: في حالة اجتذاب أنماط المحاصيل وجودة الإنتاج للمشتري في الأسواق العالمية- الذين لم يقوموا إلا بالقليل جداً في القرون الماضية: وفي حالة كون أمور النقل، والخزن، والتعبئة مناسبة وخاضعة للمعالجة الاقتصادية -والتي لا تُعد أموراً روتينية: وفي حالة اعتماد الجهد في الصناعة والزراعة على مؤسسة اجتماعية واقتصادية (وربما مالية) مناسبة، مع وجود نظام سليم لملكية الأراضي الزراعية، ورأسمال مناسب، وتوزيع عادل للدخول- وهي شروط يفتقر إليها البلد في عصوره الحديثة، والتي سيكون من غير الحصيف افتراض وجودها حتى في أيام شهرة البلد وعظمته السالفة. وبصرف النظر عن هذه العيوب المترسخة في هذه المجالات، ينبغي على الزراعة العراقية أن تواجه على الدوام، وكانت قد واجهت فعلاً، الضرر الكبير لمعدل تساقط الأمطار الشحيح والمتقلب، والحشرات والآفات الدائمة (التي تأتي على نحوٍ كبير من وراء حدوده)، والرياح والغبار الباعثين على الضرر، والتكاليف المرتفعة للري مقارنة بالدول الأكثر حظاً من حيث تساقط الأمطار. لذا فإن الأمر سيكون محض وهم كامل إذا اعتقدنا أن العراق، أو الشرق الأوسط على نحوٍ عام، يُعد بيئياً منطقة صالحة للزراعة؛ فظروفه، على العكس، تكاد لا تجعله منافساً للمناطق المنتجة للغذاء في العالم، وهي مسؤولة مسؤولية كبيرة عن الفقر الدائم لجماهيره..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com