ملفات وقضايا

 

العراق منذ فجر التاريخ حتى ثورة تموز 1958 نعمة النهرين في العراق تحمل أيضاً عوائق تكمن في حتمية حدوث كارثة

عدد المشاهدات   926
تاريخ النشر       28/08/2019 12:21 AM


ستيفن همسلي لونكريك وفرانك ستوكس    ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


مع شحة تساقط الأمطار، فإن العبء الرئيس للزراعة العراقية ينبغي أن يقع على كاهل النهرين اللذين تتدفق مياههما لإرواء مناطق واسعة، كانا على مر العصور، ولكن بنطاق ونجاح متفاوتين، يُستخدمان ويُسخران لهذه الغاية. ولكن المهمة ليست مفردة ببساطة، وقد جرى حلها، حتى في العصور الذهبية لتاريخ العراق، بنجاحٍ أقل كثيراً مما تصوره الأساطير المتقدة. فقد ارتفع قاعا دجلة والفرات، إثر خروجهما باتجاه الجنوب من الأراضي العالية إلى الدلتا عبر مجرى النهر القديم للعصور الجليدية، جراء حركة الأراضي التدريجية أو التغرين ليُشكلا قنوات غير مناسبة لمياه الفيضانات الربيعية، مع ما تشكله من تهديد لاحق للريف المحيط مع حدوث تعرية واسعة النطاق حين تقوم الفيضانات –التي تتغذى في تركيا البعيدة جراء ذوبان الثلوج، وتتفاقم جراء العواصف المطرية المفاجئة والتي لا يُمكن التنبؤ بها في جبال كردستان –برفع مستوى الماء رفعاً مفاجئاً إلى (5)، أو (10)، أو (20) قدماً، فضلاً عن قيامها بتحويل عشرات أو مئات الأميال المربعة إلى بحيرات. وللحماية من هذه المأساة المتكررة على نحوٍ ثابت (التي لا تستثني المدن، وبغداد نفسها، فضلاً عن القرى، والبساتين، والأراضي الزراعية) ينبغي أن تتوافر يقظة وحذر دائميين، فضلاً عن الإنفاق المستمر لبناء حواجز للفيضانات، وفي أحسن الفروض، إقامة مشاريع سيطرة مصممة لتحويل مياه الفيضانات الزائدة إلى الأراضي المنخفضة المجاورة على نحوٍ آمن، بغية إنجاز ري شتوي مضمون، والاحتفاظ بالمياه المطلوبة للمحاصيل الصيفية. ويحدث الفيضان في موسم نضج محاصيل الحبوب الربيعية، الذي يحول دون قيام تعرية على النمط المصري؛ إلا أن المحاصيل الربيعية قد تم جنيها، وعاد الماء إلى مستواه المنخفض في قاع النهر، في حين أن الري مطلوب بإلحاح في موسم الصيف الذي لا تتساقط فيه الأمطار، ولذا يجب نقل الماء وحجزه في قنوات تُشق لهذا الغرض. وفي الوقت نفسه فإن الانبساط المتصلب للأرض في جنوب العراق وانحدار البلد بعيداً عن الأنهار بدلاً من أن يكون باتجاهها، يمثل صعوبات كبرى في البزل؛ وإهمال معالجة هذا الأمر يتسبب في تدمير مساحات واسعة مروية أو معرضة للفيضانات جراء الملوحة التي يتوجب إصلاحها بكلفة كبيرة. إن النهرين العظيمين بما ينطويان عليه من عيوب ونقائص تتمثل بقاعيهما غير الملائمين والاختلاف الكبير بين تدفقيهما الربيعي والخريفي، يعطيان بالتعاقب مياه غزيرة جداً، وشحيحة جداً –فضلاً عما يوفرانه من مياه في المواسم غير الملائمة للاحتياجات الإنسانية، وما يقدمانه لأرضٍ معدة على نحوٍ يفتقر إلى البراعة لتلقي هذه المياه.
وفي الواقع، فإن النظام النهري قد أوجد، جراء سياقاته العتيدة، العراق التاريخي، وما انفك يُضيف الكثير له ميلاً إثر ميل، ووحده جعل الحياة البشرية فيه أمراً ممكناً؛ بيد أن نعمة النهرين في العراق تحمل أيضاً عوائق تفوق ما تم وصفه فعلياً. وأحد هذه العوائق، التي قدم التاريخ نماذح مأساوية لها، يكمن في حتمية حدوث كارثة تلي أي تدهور -أو، الأكثر من ذلك، حدوث دمار- أياً تكن الإجراءات أو الأعمال المبتكرة، المنسجمة مع حضارة العصر القائم، للسيطرة على مياه الأمطار؛ وينبغي أن تعتمد رفاهية العراق ورخاءه، بل حتى مجرد سلامة طبيعة الحياة فيه على سيطرة كهذه وعلى المنظومة المعتمدة والمكلفة -للجسور، والسدود، والأعمال البارعة، والقنوات، ومجاري الأنهار- التي بإمكانها صيانة رخاء البلد. ولاحقاً، فإن الانحدار الشديد للنهرين من الأناضول إلى شمالي الجزء الأوسط من العراق يعطيهما (رغم الانحدار اللاحق غير المألوف من نطاق بغداد إلى البحر) انسياباً مفاجئاً في جميع مواسم السنة؛ وهذه المياه الضحلة الصيفية والتغرين البسيط، وفي الوقت نفسه مجاريهما القابلة للتغيير، تجعلهما صالحين للملاحة، حتى بغير المهنة الصغيرة المتنوعة (والقديمة من حيث تصميمها) للتجذيف او الإبحار، ونتيجة لصعوبة وتقييد وضع كهذا، في المنطقة التي تقع بعد البصرة، فإن النقل النهري الحديث الطراز ليس له حتى الآن، بعد آمال عريضة وقرن من المبادرة، مكانة مهمة في الاقتصاد العراقي. وهذا الأمر، من ناحية، يتعارض مع الأراضي التي تكون أنهارها بمثابة طرق سريعة للتجارة والمرور، مع بلاد فارس، أو تركيا أو سوريا التي لا تحوي بالكامل أنهاراً صالحة للملاحة (عدا بضعة أميال من نهر الكارون).
ويواجه ميناء البصرة، ممر العراق الوحيد إلى البحر، مشكلات التغرين نفسها؛ فقنوات المياه العميقة تكاد تبقى مفتوحة من شاطئ الفاو جراء العملية المستمرة لتنظيف قاع النهر، ومن الصعوبات الكبيرة التي تتسبب بها هذه العملية التي لا يُمكن الاستغناء عنها طالما أن النهرين، ومعهما نهر الكارون، يواصلون الترسب في قاع الخليج، بملايين الأطنان سنوياً فضلاً عن نفايات الجبال التركية والفارسية. وكذا فمن غير المناسب الإضافة بأن الغرين الذي لا يحتوي على الحجر، والذي تتكون منه جميع أجزاء وسط العراق وجنوبه، يُعد أسوأ مادة لتشييد الطرق أو إسناد طرق السكة الحديدية –حتى وإن لم تتعرض وسائل المواصلات الرئيسة هذه إلى الانغمار بالمياه جراء الفيضانات أو لا يتم إنقاذها من ذلك إلا بكلفة باهضة. وإجمالاً، فإن العراق يدفع ثمناً خطيراً وكبيراً لقاء الجيولوجيا (علم طبقات الأرض-المترجم) والهيدرولوجيا (علم المياه-المترجم) اللتين أنجبتاه وأعطيتاه مصدر القوت والمعيشة.
القسم الأول عراق الأمس
الفصل الثاني العصور الأولى
الفجر والصباح
إن التبرير الذي يُساق لاستعراض تاريخ بلد حديث، سيما تاريخه المبكر، بالإمكان إيجاده وفقاً لمعايير متنوعة، فهو إجمالاً جزء من الشأن الإنساني، وجزء من المنطقة المعنية على وجه الخصوص، وبالتالي يعد امراً ضرورياً لإعطاء تقييم مناسب، وهو قد يُشبع فضول القارئ الذي يسأل "ما الذي مثله هذا الإقليم في الماضي؟ "وما الذي أنجزه وعانى منه؟" وهو قد يفسر الزهو الذي تشعر به الشعوب الحديثة –اليونانيون، والطليان، والمصريون، والعراقيون– بما حققوه من براعة وشهرة في القرون الأولى، وهو قد يشير إلى المصادر العديدة التي غذت في العصور السالفة تيار المجتمع الوطني الذي لما يزل قائماً، وفقاً للدم والعرق (هذا المجتمع الذي تعوزه الخصائص المميزة كونه قد يكون بعيداً عن أي إسهام حقيقي في الحضارة الإنسانية الآن) بل حتى وفقاً للشخصية، والقوى الاجتماعية، والبنية الوطنية؛ فدروس علم النفس الحديث، ومؤثرات المرحلة التاريخية الأبكر اللتان أثرتا تأثيراً عميقاً في الحياة الراشدة، من الممكن تطبيقهما لدى دراسة تاريخ الشعوب، وفضلاً عن كل هذا وذاك، فبما أن التقييم الحصيف للحاضر واستشراف المستقبل لن يُمكن القيام بهما إلا في ضوء التاريخ، وهذا التاريخ بدوره يكون منوطاً بالتعقيد الكامل للعوامل الجغرافية، والمناخية، والبيئية، فسيكون من الأهمية بمكان إجراء مسح منهجي للماضي بغية إعطاء تقييم صحيح للعناصر الأساسية والاحتمالية للأمة، في إطارٍ مماثل اليوم وغداً.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com