ملفات وقضايا

 

العراق منذ فجر التاريخ حتى ثورة تموز 1958 يشكّل العراقيون القدماء شعباً متمازجاً تمازجاً عميقاً جــــاء نتـــاج آلاف السنيــن مـــن الارتحــــال والغـــزو

عدد المشاهدات   1379
تاريخ النشر       29/08/2019 02:28 PM


ستيفن همسلي لونكريك وفرانك ستوكس    ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


إن ذلك الجزء الواقع في غربي آسيا الذي يشكل اليوم الجزء الشمالي والشمالي الأوسط من العراق يعد من بين المناطق الأولى التي شغلها الإنسان، ففي العصور ما بعد الجليدية، مثّل العراق للجماعات الإنسانية الأبكر، حتى قبل نشوء الإنسان بوصفه نوعاً بيولوجياً، منطقة معرضة لضوء الشمس، ووفيرة بالمياه، وصالحة لنمو النباتات، والصيد. فنوعية البشر، الذين كانوا يرتحلون من مراكزهم المنتشرة، أفضت إلى صياغة حياة شاقة لهم تتمثل في الصيد، وجمع الطعام في المرتفعات الأرضية والسهول المحاذية لضفاف الأنهار لعراق ما قبل التاريخ، في حين كان الجزء الجنوبي من العراق أرضاً مقفرة مكونة من الأهوار، والبحر الواسع، وما من سبيل إلى معرفته وسبر أغواره ؛ بيد أن الأمر ليس محض احتمال، بل أن اكتشاف الأدوات الحجرية في المواقع البعيدة المنفصلة الممتدة من كردستان إلى الشامية، تشهد على وحدة حياة بشرية غاية في القدم، وقد انقضت العصور، بشكلٍ اطول مما هو عليه الامر بالنسبة للقرون القلائل للتاريخ المكتوب، في حين انتقلت مهارات وعادات العصر الحجري القديم مرحلة إثر مرحلة إلى العصرين الحجري الوسيط والحديث : فقد مهدت حياة الارتحال القائمة على الصيد السبيل إلى نشوء حياة قائمة على الزراعة بصيغتها الأبكر : وتواصلت عملية تدجين الحيوانات، وتحسنت الأدوات والمساكن. وعبر الزيادة الطبيعية وقوة الدفاع عن النفس، أو عبر تدفق الغزاة الأجانب، استقر عرق أو أعراق عدة في هذه المنطقة.
وما من ثمة إجابة متيسرة للسؤال الآتي "إلى أي عرق ترجع أصول هؤلاء القاطنين الأوائل في هذه المنطقة ؟"، وما من ثمة مضمون مقنع للمؤرخ عند تعامله مع تخمينات عالِم الأعراق البشرية القديمة، الذي اعتمدت مادته الأولية في غربي آسيا على العرق المنحدر من البحر الأبيض المتوسط ذي الأطراف السمراء القصيرة والرأس ذي النوع الخاص: العرق الذي يمتاز بالرؤوس المدورة، والبناء الجسماني الصلب، والأنوف المعقوفة الأرمينية (قسم منحدر من الألب)، مع ميزة واضحة تتمثل بتسطح الجزء الخلفي من الرأس، وربما يمثل أيضاً ذلك العرق المنحدر من الإيرانيين الأوائل، والألبانيين ذوي الرؤوس المدورة، والزنوج والأقزام الزنوج الآسيويين، بيد أن إثبات أن هذه الأعراق أو الأعراق الأخرى تشكل العراقيين "الأصليين" لن يكون إلا نتائج دراسة غير مجدية وعقيمة، ففي حجم الجمجمة، ونوع الشعر، ولون الجلد، والجسد والقامة، يشكل العراقيون القدماء شعباً متمازجاً تمازجاً عميقاً جاء نتاج آلاف السنين من الارتحال، والغزو، والاستيعاب. ورغم الإضافات اللاحقة العديدة التي شهدها البلد، فلعله لا يختلف اختلافاً كبيراً عن سكانه في العصر الحديث.
وحتى فيما يتعلق بالعصور الحديثة لما قبل التاريخ العراقي، فإن آلاف السنين من التقدم الأقل بطئاً في مجال التطور الفكري، وفي مستويات المعيشة، والأعمال التي تعد من نتاج صنع الإنسان وبراعته، وفي التكيف مع البيئة كانت قد انقضت قبل أن يبقى التراكم التطوري، في القرون الأخيرة للعصر الحجري الأول، ماثلاً أمام عالِم الآثار الحديث الذي بات يعي وعياً مباشراً تلك الحياة الموغلة في القدم التي بإمكاننا أن نسميها متحضرة: ذلك أنه، في فترة ما قبل العصر المعدني، ربما في الألفية السادسة قبل الميلاد، حين، كما ظهر في الأطلال المكتشفة في المستويات الأوطأ للمواقع القروية، كان يجري تشييد بيوت مخططة تخطيطاً رائعاً، فضلاً عن وفرة الفخار المزخرف، والأدوات المنزلية المفيدة، والأسلحة التي كانت قيد الاستخدام.
ومن غير المعروف كم من الوقت أو إمكانية تحديد هوية الأيادي التي أبدعت هذا الاكتشافات الموغلة في القدم في الحضارة العراقية؛ بيد أن التوقف النهائي وربما التدريجي للعمل بها جاء، كما يعتقد بعض علماء الآثار، على أيدي الأقوام المهاجرة من جنوبي الأناضول، فهؤلاء، أو طريقة حياتهم، انتشرت عاجلاً أم آجلاً في معظم الإقليم الذي يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى زاكاروس أو أبعد من ذلك، ولربما استمر تاثيرها لفترة ما بعد القرون اللاحقة: اذ اتسمت بالبيوت المتقنة البناء، والحصون المنيعة، والأواني الفخارية المرسومة رسوماً تتسم بالمهارة، والقدور المصنوعة صناعة جيدة، ويبدو أن هيمنة هذه الثقافة قد خضعت بدورها تدريجياً إلى هيمنة المهاجرين القادمين هذه المرة (كما يُعتقد) من مناطق المرتفعات في غربي فارس، وقد جلبوا معهم أنواعاً جديدة من الأواني الفخارية المزخرفة وفقاً لتصاميم هندسية، وأشكال جديدة من الزينة، تنطوي على أفكار كهنوتية، ومهارات جديدة في مجالات المعمار، وصيد الأسماك، والزراعة، والحياكة: وطريقة حياتهم لم تسود في شمالي العراق ووسطه فحسب بل انتشرت إلى مناطق الجنوب حيث كانت الأرض الجافة، أو التي في طريقها إلى الجفاف قد وسعت، ربما بحلول 4500 قبل الميلاد، ساحل الخليج ليصل إلى قرب الناصرية والعمارة الحديثتين.
وتمكن علماء الآثار، لدى دراستهم لعصر العبيد (سُمي بهذا الاسم نسبة إلى تل العبيد الذي يقع على بعد ثمانية كيلومترات إلى الغرب من أور- المترجم)، من تحديد مرحلتين إضافيتين للتطور: المرحلة الأولى، المعروفة بعصر الوركاء، لربما شرع بها الغزاة القادمون من الشمال ؛ وتمتاز بالبنايات الدينية والعامة الأوسع نطاقاً، والنحت الذي يمتاز بالمهارة والحذاقة، والاستخدام المبكر للمعدن (النحاس)، وتدجين المزيد من الحيوانات (جاموس الماء)، والأواني المحسنة، واستخدام أشكال كهذه على الرقم الطينية التي أنذرت بوضوح باكتشاف فن الكتابة. أما المرحلة اللاحقة، المعروفة باسم جمدة نصر والتي تغطي السنوات اللاحقة للألفية الرابعة قبل الميلاد، فقد أظهرت الاختلافات في أنماط الأواني الفخارية، والنحت وصناعة التماثيل، بوصفها خطوة نحو اختراع الكتابة الصورية، والمزيد من استخدام المعدن، وتطور صناعة الأدوات والأسلحة. وقد أخفق علماء الآثار بربط ثقافة جمدة نصر بأي إقليم أجنبي، فلعل تطورها جاء من داخل الإقليم من دون مؤثر خارجي.
ولذا فقد أوجد فجر التاريخ عراقاً مستقراً استقراراً طويلاً، وبلداً متحضراً تقطنه طوائف قروية وحضرية تعد وارثة لقرون عدة من التقدم في الفنون المتطورة والمعقدة لنمط العيش والحكم، والتجارة، والزراعة، وبلا ريب، يحوز على منظومة ري متطورة ومتقنة، وكذا يتضمن نمطاً متطوراً في الحياة والعبادة، فحضارته المعاصرة لحضارة وادي النيل – تجاوزت الحضارات الأخرى بفضل اكتشاف العراقيين للكتابة –هذا الاختراع يعد إنجازاً رائعاً بفعل الاندماج الناجع للعناصر الأجنبية، وتكيفها مع الظروف الطبيعية تكيفاً إيجابياً بالكامل، وسواء أكانت سومر والسومري أسماءً لعنصر عرقي واحد هاجر إلى جنوبي العراق، أو اسماً مستنبط استنباطاً ذاتياً من البلد وشعبه المؤلف من أجناس عدة انبثقت في منتصف الألفية الرابعة، فإن ملوكه وكُتّابه الذين يستخدمون الألواح الخشبية عرّفوا أنفسهم بهذا الاسم في كتاباتهم المنقوشة على الألواح التي تعود إلى تلك الفترة أو تشير إليها. فبالنسبة لنا كان عرقاً غير معروف الأصل، ذا رؤوس صغيرة، غامقة، ومدورة، وأنوف كبيرة، فضلاً عن تكلمهم لغة غامضة ناشئة من اتحاد عناصر لغوية مختلفة، ويبدو أن حضارتهم سادت شتى أنحاء العراق، رغم وجود اختلاف محلي في المناطق الوسطى (المعروفة بالأكدية) الواقعة شمالي سومر، وفي السهول الشمالية لما أصبح يُعرف فيما بعد بآشور؛ وفي الواقع كان الناس في بلاد آشور يعبدون أرباباً مختلفين، ولم يكن الخليط العرقي بأي حال من الأحوال متجانساً –بل كان في واقع الأمر غير سومري– فضلاً عن تمييز اللغة السائدة، وقد أدى تغلغل الأقوام الناطقة بالسومرية في آشور واكد، من السهوب إلى الغرب أو الشمال الغربي، إلى انتشار لهجات عدة (البابلية والآشورية) منبثقة من تلك المجموعة اللغوية، وهذه اللهجات حلت محل اللغة القديمة، وساعدت في إيجاد وعي إقليمي يختلف عن السومرية، بل حتى يؤثر فيها، لا سيما في السهول الشمالية للساميين المرتحلين باتجاه الشرق المتاثرين تأثراً عميقاً بالهيئة المدنية، ومذاق، ومجتمع السكان ما قبل الآشوريين.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com