ملفات وقضايا

 

العراق منذ فجر التاريخ حتى ثورة تموز 1958 كان حمورابي أول ملك عراقي ينال شهرة تاريخية كبيرة

عدد المشاهدات   831
تاريخ النشر       02/09/2019 07:43 AM


ستيفن همسلي لونكريك وفرانك ستوكس    ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


فِي أقصى الجنوب، ومنذ تاريخ يعود إلى (3000) سنة قبل الميلاد، حمل لقب "ملك سومر وأكد" حكام الدويلات – المدن السومرية، وكل حاكم يحوز على مدينة خاصة، وأراضٍ خاصة، وجيش خاص، وآلهة، وقد شكلت هذه الدويلات امبراطورية مصغرة بسطت سلطانها على الآخرين، أو بعض منهم، ومن هذه الدويلات كيش، وأوروك، وأور، ولكش، وأكشاك، وأكد، وأريدو، ولارسا، ودويلات أخرى، إذ اختلفت العلاقات بينهم والتي تقوم على الغيرة والحسد من عقد لآخر، ومن قرن لآخر، وكذا بين أبطالهم الواردة ألقابهم وطموحاتهم في الألواح المنقوشة. فزعمهم بالهيمنة على شبارتو في الشمال، باستثناء الهيمنة الثقافية، كان زعماً يندر أن يكونوا قد نجحوا في تحقيقه؛ إلا أن تجارتهم الخارجية الواسعة النطاق، وغاراتهم على التلال الفارسية زودت بلادهم بما تحتاجه من الضروريات ووسائل الترف؛ أما المواد القادمة من آسيا الصغرى، والقوقاز، وشمال سوريا، وبلاد فارس، والخليج، وعمان فقد كانت متوافرة في أسواق سومر. وقد أبقت كتاباتهم المسمارية المدونة على الرقم الطينية على سجلات التجارة والحكم، وسمحت ثروتهم بمستوى عالٍ من الراحة المنزلية، بملابسهم الصوفية وتجهيزاتهم الجيدة فضلاً عن انغماسهم بالرياضة وألعاب التسلية، وقد أفضى سياق حياتهم الدينية المؤثر إلى تطوير مراسيم دينية موسعة تجري في معابدهم الواسعة والمنتصبة. أما عرباتهم ذات العجلات فقد كان يجرها حيوانات معتنى بها، مع أن الخيل لم تستخدم حتى الآن، وقواتهم من المركبات الحربية والمشاة، والرماحين، ورماة السهام، كانت قيد الاستخدام الدائم. وفي الواقع، كانت هذه الحضارة التي شهدها العراق وحفظها تاريخه واحدة من الإنجازات الباهرة ؛ وهي حضارة تقدمية بمقاييس السرعة الهادئة لعصر قديم فضلاً عن كونها حضارة مزدهرة بما ضمنته من توفير للطعام بالاعتماد على الحقول المروية والوسائل الجيدة التكيف، علاوة على حفاظها على أمنها برغم ميزان القوى المتغير بين الدويلات والغارات العرضية للأقوام القاطنة في التلال أو الصحاري، وقد كان حقاً عالماً ينتقل من الحياة البسيطة والوحشية للألفيات الأولى، وخلاصة القول أنها وفرت الانموذج الذي سيتكيف معه المجتمع العراقي خلال الألفيتين القادمتين.

الامبراطوريات الكبرى الأولى
أوجد النصف الأول للألفية الثالثة قبل الميلاد، مع تزايد الاحتكاك بالخارج، رغبة كبيرة لتأكيد الذات بين الأكديين الناطقين بالسامية، وربما أفضى أيضاً إلى هجرات جديدة من المناطق الداخلية الواقعة إلى الغرب. فالملك الأكدي، سرجون الأكدي، لم يكن قادراً بحلول (2400) قبل الميلاد على فرض سلطته على الدويلات – المدن الجنوبية فحسب، بل قيادة حملات إلى شمالي العراق والهضبة الفارسية، وساحل البحر الأبيض المتوسط، وآسيا الصغرى. وقد أمسى الفاتح الأكدي خلال بضع سنوات الشخصية البارزة في غربي آسيا، وكان محط شهرة وخشية في مصر نفسها؛ بيد أنه لم يؤسس أية امبراطورية، فقواته التي تقوم بالإغارة على المدن لم تترك أثراً لجوانب إدارية خلفها، وحتى في سومر فإن سلطته لم يكن لها سوى تاثير ضئيل على المجتمع ورفاهية المدن، وهيمنة الأكديين استمرت بعد وفاة سرجون إلى مدى يصل إلى أقل من دورة حياة واحدة، إلا أن سابقة في هذا الصدد كانت قد تحققت، فكان سرجون الحاكم العراقي الذي بسط سلطانه على حلقة واسعة من المدن المجاورة. أما "فراغ السلطة" الذي تلا انهيار أكد فقد ملأه بصورة وحشية رجال قبائل تقطن التلال، وهم الكوتيون، الذي لا يعرف عنهم شيء تقريباً. وقد بسطوا سلطتهم على سومر لثلاثة أو أربعة قرون، إلا أنهم لم يسهموا بما من شانه تطوير ثروتها وثقافتها؛ وقد حافظت السلالات الحاكمة للكش (ومن أشهر ملوكها الملك كودية)، وأوروك، وأور على حكمها، ولدى انسحاب الأمراء الكوتيين بات المجال مفتوحاً لبلورة نهضة سومرية تزعمها ملوك أور. وهذه النهضة بدورها أصابها الضعف، في سنوات لاحقة، على يد الغزاة والمتسللين -العموريين من الغرب، القادمين من الأردن أو جنوبي سوريا، والعيلاميين الإيرانيين الأصل القادمين من جنوب غربي بلاد فارس. لكن ديناميكية أكد النشيطة لم تُستنفذ، فثمة عناصر مشابهة جديدة للعموريين، المتمازجين مع بل الحاكمين لأقوامٍ في منطقة الفرات الأوسط، تمكنوا، بحلول 1900 قبل الميلاد، من تشكيل اتحاد واعد للمدن العمورية- الأكدية متخذين من مدينة صغيرة وغامضة عاصمة لهم، وهذه المدينة هي بابل. وبعد عقد واحد، أنجبت بابل، بثقافتها المميزة، وآلهتها، وولاءاتها، حاكماً بارزاً وباني امبراطورية وهو حمورابي الذي يشير إليه العهد القديم بملك شنعار. وفتوحاته لشمالي العراق ومدن التلال الشرقية والشمالية كانت أقل ديمومة من التقدم الباهر الذي أنجزه في مجال القانون المدوّن، والإدارة، والآلية الحكومية، والوسائل التجارية، والاقتصاد الريفي؛ وهنا، بوصفه أول ملك عراقي ينال شهرة تاريخية كبيرة، ولم يكن ملكاً ثانوي الشأن أو شيخ قبيلة يُغير على القبائل الأخرى، بل حاكماً عظيماً، أنشاً مدينة عُدت من أعظم المدن العراقية لقرون عدة. ولم تستمر سلالة حمورابي طويلاً، وطريقة سقوطها تُذكّر بأن هذه الفترة شهدت واحدة من أعظم الامبراطوريات والحركات الشعبية التي لا تعرف الكلل أو الملل. وقد جاءت نهايتها على يد امبراطورية الحيثيين القادمين من آسيا الصغرى، إذ اتجهوا صوب الجنوب واجتاحوا العاصمة العراقية ونهبوها، هذه العاصمة التي كافحت كفاحاً كبيراً لاستعادة مكانتها لتواجه عدواً آخر تمثل في الكيشيين غير المتحضرين القادمين من الشرق، وهم نتاج تربية مناطق تلالية يمتازون باستخدام الخيول. وإذا كان الكوتيون وبقية الغزاة الأوائل للعراق القادمين من غربي فارس يمثلون القاطنين القساة، وما قبل الآريين لذلك البلد، فإن الكيشيين كانوا، كما يبدو طيفاً من سلالة ناطقة بالآرية كانت، منذ فترة مبكرة من الألفية الثانية، قد دخلت المرتفعات الفارسية -ودخلت على نحوٍ متزامن تقريباً الهند وأوربا- من أوطانهم الأصلية شرقي بحر قزوين وشماله. وكونهم يمتازون بالنشاط والقوة وعدم الميل للتخريب والسلب، فإنهم كانوا يمثلون في فارس الطوائف أو الأُسر الحاكمة المفروضة على السكان الموجودين، وقد أدخلوا إلى المناطق التي حكموها نمطهم، ولغتهم، ودينهم، وطريقة حياتهم إدخالاً ينم على تبنٍ نهائي. وقد أقاموا، في الفترة من 1400 إلى 1700 قبل الميلاد، عدداً من الدول ليس في الهضبة الفارسية وبلاد الكيشيين فحسب بل في الغرب البعيد في محيط العراق أيضاً -دولة الخوري شمالي الموصل في جبال الحكاري، وإمارة ميتاني في الجزء العلوي من الخابور التي دام حكمها ثلاثة أو أربعة قرون، وضمت، في فترة ما، معظم ولاية الموصل. وتمكن الكيشيون، بما عُرِفَ عنهم من حيوية فضلاً عن وحدة نظام حكمهم، من بسط سيطرتهم لخمسة قرون على معظم ما أصبح يُعرف لاحقاً بولايتي بغداد والبصرة: وهي سيطرة، مع أنها توسعت أحياناً بفعل الحرب أو الدبلوماسية لتضم بلاد آشور والشمال، وتمكنت من الصمود بوجه الاستفزازات الحيثية، كانت رحيمة ولم تقم بما من شأنه تقليص الخصوصيات الفردية، والرخاء، والتقدم الذي امتازت به دول الدلتا، في حين أن الحكام الكيشيين تعرفوا على الحضارة من رعاياهم، وتبنوا طريقة حياتهم ودينهم. وما من شيء يعرف بالتفصيل عن مجرى الأحداث في بابل لنصف الفية، عدا تكوين دولة جديدة امتازت بديمومتها الطويلة في أقصى الجنوب العراقي عبر عناصر غازية غير معروفة قادمة من شمالي الجزيرة العربية أو ساحل الخليج..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com