ثقلفة

 

ابن القدس د. عيسى بلاطة يعود إلى القدس!

عدد المشاهدات   173
تاريخ النشر       02/09/2019 08:00 AM


غادة السمان
الغربة هي أيضاً أن تعلم برحيل أصدقاء الأمس بعد ذلك بوقت طويل.. فقد تناثرنا بين القارات كالعصافير في العاصفة. ولم أعلم برحيل الشاعر اللبناني روبير غانم إلا مؤخراً، وكان قد لفتني خلقه الرفيع على الرغم من أنني في ندوة أدبية عن كتاب له برفقة أنسي الحاج كانت مداخلتي بعنوان «روبير غانم شاعر مع وقف التنفيذ».. أحزنني رحيله ورحيل الصديقات والأصدقاء: أنسي الحاج، وديزي الأمير، ومي منسي، وياسين رفاعية، وجان ألكسان، وحافظ محفوظ، وسواهم كثير. شعرت بالحزن لأنني كنت بعيدة عنهم في لحظاتهم الأخيرة ولم أودعهم. وتذكرت قول الشاعر ييتس: كل شيء يتغير… ويتساقط الواحد منا قبل الآخر!ورحل الصحافي الصديق وليد عوض الذي أشتري مجلته كلما كنت في بيروت «الأفكار».. وهبّت عليّ ذكريات عملنا معاً برفقة غسان كنفاني في «الحوادث» كسرب من الفراشات والدبابير، حين علمت مؤخراً بنبأ رحيله وأدركت أنه عاد إلى مسقط رأسه في طرابلس.
أمير الحلو، عاد إلى النجف وكربلاء
علمت مؤخراً أيضاً برحيل الصديق العراقي الإعلامي العزيز أمير الحلو، ولم أدر من قبل لأكلم، معزية، زوجته صديقتي ابتسام عبد الله الصحافية والروائية. وها هو أمير يعود إلى مسقط رأسه في النجف وكربلاء.. مع رحيل كل صديق أو صديقة يتفجر نبع الذكريات وأيامي معهم ومع إبداعهم، ويركض نهر الحنين.. كأنني كلما رحلت صديقة/صديق لي أموت قليلاً بموتهم.. كأننا نموت بالتقسيط مع رحيل رفاق الأبجدية..
حافظ محفوظ: ربع قرن من الصداقة
منذ وفاة زوجة حافظ محفوظ الصديقة، شعرت بأنه سقط في بئر الغم، لكنه كان يكابر ويغرق أحزانه في عمله في مجلة «الحصاد» كرئيس تحرير. ولعله الوحيد من أصدقائي الذي علمت برحيله صباح اليوم التالي، إذ اتصلت بي السيدة ابتسام أوجي، رئيسة مجلس الإدارة، التي تعرف مدى صداقتنا، ونقلت لي النبأ. كما اتصل بي ابنه بسام في اليوم التالي. عملت وحافظ حوالي ربع قرن في «الحوادث»، وكان مثالاً للصداقة الأخوية الصافية كنبع جبلي.. وكان يحن إلى مسقط رأسه في «مرجعيون» لبنان.. ولكنه رحل في لندن.. وبعد موته عاد إلى مرجعيون..
نحن نعرف مكان ولادتنا.. لكننا لا نعرف مكان وفاتنا وتوقيت ذلك!.. وحين يموت أصدقاء الأمس يذكروننا بموتنا الشخصي الآتي..
عيسى الفلسطيني حتى قاع عظامه
ورحل عيسى بلاطة.. سمعت باسمه للمرة الأولى من الفلسطينية حنان عواد التي كانت تحضر أطروحتها عني بالإنكليزية في جامعة ماكجيل (مونتريال) الكندية، بإشراف أستاذها البروفيسور عيسى بلاطة، وكان عنوانها «قضايا عربية في أدب غادة..»، ثم أصدرتها في كتاب عن دار نشر كندية. وقامت «دار الطليعة» بإصدار ترجمة لها إلى العربية.
البروفيسور بلاطة كتب التقديم لها
وتواصلت أبجدياً مع د. بلاطة، ولم نلتق يوماً، وربطتني مودة مع زوجته أيضاً، ولفتني علمه وسعة اطلاعه وانكبابه على العمل..
ورغم نجاح د. عيسى بلاطة في مغتربه.. ظل يحن إلى القدس، المدينة التي اضطر إلى الهجرة القسرية منها بعد الاحتلال الإسرائيلي لجزء منها عام 1967 وهزيمتنا العربية التي يدعوها البعض نكسة، وتجلي ذلك الحنين في روايته «عائد إلى القدس».
يُغرق حزنه لفراق القدس في النجاح
بلاطة كان أستاذاً للأدب العربي في جامعة ماكجيل، والمشرف على الدراسات العليا في «معهد الدراسات الإسلامية».. وغزير العطاء في حقل الترجمات والدراسات الأدبية وفي إصداراته للكتب؛ لتعريف الغرب بالأدب العربي، وهكذا أصدر دراسات عن (فدوى طوقان ومشكلة الموت) وتوفيق صايغ (الكركدن المحاصر)، وعن هشام شرابي، وترجم مذكرات الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا (البئر الأولى).. وكنت سعيدة بترجمته لمجموعتي القصصية «القمر المربع» وحاز الكتاب «جائزة الكتاب العربي المترجم للإنكليزية» من جامعة أركنساس.
ولكن روايته «عائد إلى القدس» تركت أثراً أليماً في نفسي، إذ شعرت فيها بلوعة الفقد، فقد فلسطيني لوطنه. وهي رواية وجدتها جيدة، ولكنها لم تحظ بالاهتمام النقدي الذي كانت تستحقه ولا بإقبال القراء.. وإصدار الكتب هو مغامرة حب، وأحياناً يحب القراء من لا يستحق ثم يكتشفون جمالية عمل أهمله آباؤهم.. وأظن أن كتاب «عائد إلى القدس» من هذا النمط..
دعمني بلاطة حين أصدرت «رسائل غسان كنفاني» لي، وكتب قائلاً: وجدت في رسائل غسان أدباً شخصياً رائعاً وجزءاً من تاريخ الأدب العربي الحديث، ونشرها يفتح آفاقاً جديدة للأدب الشخصي الذي نفتقر إليه في العالم العربي، وقد حان لنا أن ننزع الأقنعة عن ازدواجية الروح فينا.
هل تعود أرواحهم إلى فلسطين؟
أولئك الذين ولدوا في فلسطين وطردهم المحتل الإسرائيلي من أوطانهم في هجرة قسرية.. هل تعود أرواحهم بعد وفاتهم إلى البيوت التي ولدوا فيها وإلى أرضهم السليبة؟
هل عادت أرواح سميرة عزام وشفيق الحوت وكمال ناصر وغسان كنفاني وسواهم كثير من أصدقائي الفلسطينيين.. هل تعود أرواحهم إلى الوطن وإلى بيوتهم الأولى؟

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com