جسرُ الملكة عالية، وماعرف لاحقا بجسر الجمهورية، شهد إحدى الحوادث المؤسفة التي سمع بها العديد من البغداديين، ويعتقد الكثير أنها مجرد شائعة أوحادثة هي أقرب الى الخيال، وربما كانوا محقين في ما يقومون، ولكن بالمقابل، ربما نجح القائمون على بنائه، في اخفاء تلك الحادثة وكتم سرها لعدة سنوات بعد إنجاز الجسر، وفي حينها تغدو مجرد حادثة عابرة لا مكان لها في الواقع! استمر العمل جاريا على قدم وساق لبناء جسر الملكة عالية الذي تغير اسمه بعد ثورة 14 تموز 1958 الى (جسر الجمهورية) ولما أوشك على الانتهاء من تشييد الركيزة الثانية من جهة الرصافة، وكسيت بالأسمنت، أنزلقت قدما أحد العمال الذي كان واقفا مع الآخرين على أحد الأعمدة الحديدية العالية، فسقط الرجل في حوض الركيزة والتصق جسمه وتصلب مع خلطة الكميات الهائلة من السمنت الكيمياوي المخصص لبناء الجسور والساقط من فوهة خزان الرافعة الأنبوبية، وسط صراخه وصراخ العمال الآخرين وبكائهم على صاحبهم ولم يكن بالإمكان انتشاله بأية حالة من الأحوال، مما اضطر المهندسين الأجانب الى أكمال عملية الصب فوق جثمان الرجل، وقد أصدرت الأوامر بالتكتم على الحادثة الأليمة، ولكن فور وصولي للبيت أخبرت والدي ورجوته أن لا يبوح لأصدقائه بالمحلة ولم يتسن للبغداديين سماع الحادثة في حينها الا بعد مدة طويلة من إنجاز جسر الملكة عالية الذي اكتمل بناؤه العام 1957 ليربط بين منطقة الباب الشرقي من جهة الرصافة وبين كرادة مريم، بحسب شهادة أحد موظفي وزارة الإعمار، المتقاعد أبي عماد (76- عاما) من أهالي محلة نجيب باشا التي عرفت فيما بعد بتسميتها حي المغرب قرب الأعظمية. ثم انبرى أبو عماد للحديث عن موقف آخر لجسر الجمهورية، دونت أحداثه في صفحات مجلس الإعمار العراقي خلال السنة الأولى من الشروع ببنائه، وعلى ما يبدو أنه يمثل إحدى مشاهداته المغايرة تماما لسابقتها، قال: - كان رئيس المهندسين في شركة (زبلن) الألمانية، الذي لا يحضرني أسمه الآن، هو المشرف على تنفيذ بناء جسر الملكة عالية، واكتشف المهندسون العراقيون أن هذا الرجل لا يحمل شهادة جامعية في مجال عمله بالهندسة المعمارية، وأبلغوا مجلس الإعمار العراقي الذي يشغله كبار الشخصيات العراقية مثل جلال بابان وغيره، وبدورهم قاموا باستدعاء رئيس شركة زبلن وتحققوا منه، فاعترف الأخير بصدق ما سمعوا به، ثم عرض عليهم مقترحا لتسوية الأمر وطلب منهم، احضار أفضل الكفاءات الهندسية العراقية من الأساتذة أصحاب الاختصاص، وبالمقابل سيحضر أمامهم رئيس المهندسين لشركة زبلن الذي لا يحمل شهادة جامعية، ثم يوجهون إليه (50) سؤالا، واذا لم يجبهم عن سؤال واحد منها، سيكون لزاما على الشركة دفع أي تعويض أو غرامة مالية يفرضها مجلس الاعمار، وبالفعل تم احضاره ونجح في الاختبار الذي أعد له! ويذهب أبو عماد بحديثه، ليتطرق لذكر تفاصيل جسر سكة الحديد، أو ما عرف لاحقا بالصرافية، قال: كان جسر الصرافية، معداً للانشاء في مدينة (سدني) في أستراليا إلا أن وزارة الأشغال والمواصلات العراقية اشترته وكلفت شركة (كوبربلايزر) بتحويره بما يتلاءم مع بنائه في موقعه الحالي ببغداد، وبدأ العمل بتنفيذه أواخر سنة 1956 من قبل شركة (هولو) البريطانية بعد وضع التصاميم الهندسية. ثم يضيف: يبلغ طول الجسر مع مقترباته 2166 متراً واما طول الجزء الممتد فوق النهر فهو 450 متراً لذا عُد أطول جسر حديدي في العالم حين ذاك. يتكون الجسر من سبعة فضاءات خمسة منها بطول 58 متراً للفضاء الواحد وآخران بطول 80 متراً لكل منهما. ويبلغ عرض ممر السيارات 6 أمتار وعرض السكة الحديد 4 أمتار وممر المشاة 2،5 مترين ونصف المتر. توقف العمل في بناء الجسر عام 1948 بسبب الانتفاضة الشعبية لوثبة كانون ومن ثم استؤنف العمل به وتم إنجازه عام 1952. كان جسر الصرافية في أواخر العقد العشريني، يسمى بـ(جسر العشاق)، حيث استمر ردحاً من الزمن، ملتقى يحتضن عند ضفتيه مواعيد المحبين العابرين رواحا ومجيئا، يلتقط خلسة صور قبلاتهم وعناقهم ويدون حواراتهم ومداعباته، لتبقى صورة أزلية في الذاكرة. حتى شاعت حكايات العشق على الجسر عند البغداديين وغيرهم ونظم الكثير من القصائد والأشعار الغنائية عنه، ولاسيما الأغنية الشهيرة التي أداها العديد من المطربات والمطربين العراقيين، مطلعها: “يا عين موليتين، يا عين مولية، جسر الحديد انكطع من دوس رجلية”. وحول الوقائع التي شهدها جسر الملكة عالية، وربما على أثرها سمي بجسر الجمهورية، تحدث عن ذلك المؤرخ فيصل فهمي سعيد، قائلا: - جاءت القطعات العسكرية التابعة للواء العشرين، قادمة من جلولاء على طريق خان بني سعد وصولا الى الباب الشرقي وعبرت جسر الملكة عالية يوم 14 تموز عام 1958م، يوم نهاية العهد الملكي، وعند زيارتي الى منزل عبد السلام عارف وبصحبتي عدد من الشخصيات السياسية، لتهنئته على خروجه من السجن وأطلاق سراحه واصدار العفو عنه من قبل الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1962م واكتفائه بفرض الاقامة الجبرية عليه، في يومها كنت عائداً للتو من دراستي في أمريكا، ولما جلسنا وتبادلنا الحديث، تطرق عبد السلام بحديثه عن تفاصيل الانقلاب العسكري مع الزعيم، ولما ذكر القطعات العسكرية التي مرت على الجسر، أوضح قائلا: “أثناء عبورنا من الجسر قلت في لحظتها، ان شاء الله هذا الجسر راح يعبّرنا للجمهورية”. - لم يقصد عبد السلام أنه هو الذي سماه بجسر الجمهورية، وانما قصد بحديثه، أن هذا الجسر سيعبرنا لنتحول من نظام الملكية الى الجمهورية. وعن جسر الأحرار أو ما كان يعرف بجسر مود ثم غيّر اسمه الى جسر الملك علي، يعود بنا المؤرخ فيصل فهمي سعيد لتصحيح جانب من الحقائق التاريخية، حول الجسر واحداثه، على حد تعبيره، قال: - هنالك الكثير من الأخطاء التاريخية الشائعة التي تناولها بعض المؤرخين، وقبلها أود أن أشير الى جسر الأحرار حاليا الذي كان يسمى في الأصل بجسر الملك علي وبعض البغداديين كانوا يسمونه جسر مود! وهذا خطأ لأن جسر مود كان مشيداً قبله من الجنائب (الدوب) وقد نقل الى جهة الشرق من دجلة وتحديدا عند منطقة السنك، وتم إنشاء جسر الملك علي (الأحرار) بعد عام 1937م وقد شاهدته وهو مايزال في طور الإنشاء عام 1939م، وقد رويت عن هذا الجسر قصة خاطئة تماما حول سقوط طائرة ابن الباشا صباح نوري سعيد، الذي كان مهندس طيران ولم يكن ضابطاً طياراً حربيا في أصل دراسته، وانما كان برتبة ملازم أول وقتي، تخرج في مدرسة الطيران في أنكلترا، وقيل عن حادثته أنه حلق بطائرته من تحت جسر الملك علي واصطدم وقتل مرافقه، وهذه الأخبار كلها منقولة عن المؤرخ المرحوم عباس بغدادي في كتابه المعنون (بغداد في العشرينات) تحت عنوان جسور بغداد، وهذه الحادثة خطأ! لأنّه مزج بين حادثتين مرتا على صباح نوري سعيد، وقد جرت وقائع الحادثة الأولى عام 1936م أثناء احتفال أقيم في ساحة الكشافة وقد حضره الملك غازي وطلب من صباح أن يقوم ببعض الألعاب الجوية ويستصحب معه أحد خدامه من الذين كانوا يدعوهم وللأسف بالعبيد، فصعد صباح بالطائرة وحلق بها ومعه أحدهم، ومن الطبيعي كان صباح يقود في المقدمة ويجلس الخادم خلفه في المقعد الخلفي، ولما كانت الطائرة في حالة الانقضاض (الهبوط) تملك الخادم الرعب وأمسك بظهر صباح نوري وتشبث بيديه ومنعه تماما من الحركة ففقد السيطرة على مقود الطائرة وسقطت على الأرض في ساحة الكشافة وتهشم المقعد الأول وأصيب صباح بجروح بليغة وكاد يموت، أما الخادم فقد اخترق رأسه أحد الأعمدة الأرضية وتوفي المسكين في الحال، وشعر الملك غازي بالأسف الشديد، واتخذت الإجراءات لعلاج صباح وتم نقله في الحال الى مدينة الحبانية، حيث كان هناك المستشفى البريطاني، ولكن تعذر ذلك وتم نقله بطائرة معدّة من قبل الجيش البريطاني ونقل الى أنكلترا وهناك تماثل للشفاء بعد مدة طويلة، وبعد عودته صادف زواجه من الدكتورة عصمت السعيد التي ذكرت بدورها، كل هذه الأحداث في كتابها المعنون (نوري سعيد، رجل الدولة والإنسان)، ولما حصل انقلاب بكر صدقي- يضيف سعيد- تم التشهير بالباشا حول النفقات المالية التي صرفت على علاج ابنه، ولما أطيح بالانقلاب، عوض صباح عن الفترة التي قضاها خارج الجيش وأصبح برتبة مقدم طيار. أما حقيقة حكاية صباح مع جسر الملك علي (الأحرار)، التي رواها صباح لزميله العقيد الطيار محمود شاكر رضوان، الذي كان آمر السرب الضيف على معامل الطائرات، ولما كان كلاهما يحلقان سوية في تشكيل جوي يسمى (رف)، قال صباح جملة اعتراضية لزميله الطيار محمود باللهجة البغدادية: “راح أخليّ بغداد تنرج”، أي بمعنى تهتز. وتلك الحادثة أخبر بها الطيار محمود شاكر، صديقه الحميم المؤرخ فيصل فهمي سعيد، الذي اوضح لنا قائلا: - أحد الطيارين الأمريكان المتواجدين في معمل الطائرات، كان غالبا ما يسخر ويستخف بكفاءة وقابليات الطيارين العراقيين وقدرتهم على الانقضاض والمرور في المسالك الصعبة في جلساته الحوارية مع زملائه، فتحداه صباح نوري واتفق على أثرها على عقد (رهان) معه لكي يثبت له كفاءة الطيار العراقي، قبل أن يصل الى الوسيلة لكسب الرهان، ولما صادف عبوره بسيارته فوق جسر الملك علي (الأحرار) خطر بباله أن يحلق بطائرته ويمر بها من تحت الجسر، غير أنه تردد وتصور في بادئ الأمر أنها مغامرة جنونية! وظل يفكر حتى عزم على أمره وقرر المرور بزورق بخاري ليسجل قياسات ارتفاع الركائز (الدنك) وطولها ومسافة العرض بين ركيزة وأخرى، حتى عثر على المكان المناسب الذي يمكنه من النفاذ بطائرته في وسط المسافة بين الركيزتين، بعد عملية الهبوط والانقضاض وتعيين نقطة الانطلاق والارتفاع. ثم يواصل المؤرخ فيصل حديثه الذي أخبره به الطيار محمود شاكر، قائلاً: على أثرها اتفق صباح نوري سعيد مع مصور عراقي مشهور يدعى (أرشاك) وطلب منه أن يحضر في موعد هبوط طائرته، وينزل على سطح زورق بخاري في دجلة ويلتقط له عدة صور لتوثيق مناورته ومغامرته الخطيرة في الوقت ذاته، وحذره بشدة من عدم المجيء في موعد طيرانه الذي حدده بدقة في موعد يومه وساعة الصفر من وصوله ومروره من تحت الجسر وأخبر به المصور أرشاك، وأوصاه أن لا يبوح به لأي أحد، وقد علق صباح خلال حواره مع صديقه الطيار محمود، متحديا الطيار الأمريكي، قالها باللهجة البغدادية: “حتى أفكس عين هذا الأمريكي”. وبالفعل حلق فوق سماء الأعظمية وانطلق مع انحدار دجلة وانخفض بطائرته بشدة ولما وصل فوق جسر المأمون (الشهداء) وفي لحظتها شعر المارة البغداديون العابرون على الجسر، بالذهول وأصابتهم الدهشة وانتابهم الذعر لما رأوا ولأول مرة منظر الطائرة القريب من رؤوسهم ودوي صوت محركها، ولما بلغ نقطة الهبوط المستقيمة التي حدد مسافتها قبل وصوله جسر الأحرار، عبر بين إحدى الركيزتين التي عينها، وقد بلغ وقت العملية ما قبل وبعد العبور، أقل من نصف دقيقة، وكان المصور أرشاك وكاميرته، في حالة استعداد تام، والتقط عدة صور للطائرة، ورغم شعوره بالذهول هو الآخر، كونه لم يتخيل، أن صباح سيمر من تحت الجسر بطائرته الأمريكية، لكنه ظل يلتقط الصور بدقة وسرعة متناهية حتى عبر صباح بطائرته سالما من تحت جسر الأحرار، ولما انتهى أرشاك من مهمته، وفور وصوله الى الأستوديو قام بتحميض الصور وسحبها على عجالة وذهب بها الى مجلس الوزراء وطلب مقابلة عاجلة لرئيس الوزراء نوري سعيد، ظنا منه، انه سيحصل على مكافأة مالية كبيرة تتناسب مع قيمة صوره النادرة، ولما علم الباشا بالأمر شعر بالغضب، وانهال على أرشاك بعدة صفعات على خديه، كما نسميها بلهجتنا البغدادية (بسطة عراقية) وقد روى هذا المشهد لي أحد الحاضرين هناك المرحوم عبد الرزاق الحسني، حيث قال لي بالنص: “أنا ووصفي طاهر خلصنا المصور أرشاك من إيد الباشا بالكوة”. ثم يختم المؤرخ فيصل فهمي حديثه: - بقيت صورة وحيدة لم يقم أرشاك بتحميضها وبعد الحادثة، أخذها منه صباح واحتفظ بها، حتى نشرتها زوجته الدكتورة عصمت سعيد في كتابها عن حياة نوري سعيد، وأصدر الباشا في يومها قرارا، أبرق به الى مدرسة الطيران بمنع صباح من الطيران، وبقي مدة حتى عين على أثرها أول مدير عراقي للخطوط الجوية العراقية. |