بغداد- الزوراء - دار السلام - المدينة المدورة - مدينة المنصور- كلها أسماء ومسميات لتلك المدينة العظيمة التي شغلت الناس وملأ ذكرها الآفاق. فعندما اراد الخليفة (ابو جعفر المنصور) ثاني خلفاء الدوله العباسية انشاء عاصمة لملكه عام (145هـ) اختار موقعها ورسم لها بدقة كافة المرافق والمنشآت لإقامة مدينة عامرة محصنة من كل الجوانب تليق بدولة بني العباس. فضلا عن تخطيطه لأسواقها المتعددة والتي كانت تأتيها المؤن عن طريق نهري دجلة والفرات والقوافل القاصدة إليها من كل حدب وصوب. حيث تحدثت المصادر التاريخية عن مراحل بنائها وأسباب اختيار اسمها وموقعها ومن سكنها والابواب التي أقيمت لها والاسماء التي اطلقت عليها. ومنذ ذلك الحين كثرت بها الأسواق ذات البضائع والحاجيات المختلفة وحتى زوال المدينة المدورة من الجانب الغربي وانتقالها الى الجانب الشرقي من نهر دجلة والتي بدأ الشروع ببناء سورها أيام الخليفة المستظهر عام (488هجرية) وأكمله من بعده الخليفة المسترشد وظل هذا السور صامدا قرابة (800) عام حيث قسمها النهر الى جانبي الرصافة شرقي دجلة والكرخ غربي دجلة. وتطورت الرصافة واخذ العمران ينتشر فيها وبنيت بها الدور والمحلات الكثيرة فضلا عن مرافق الدولة من مقرات حكم ومدارس وحمامات ومساجد وأسواق وغيرها. فكانت اصلاً لمدينة بغداد الرئيسة التي ظهرت في العهد العباسي الاخير. وقد لعبت الاسواق في بغداد خاصة والعراق عامة دورا حيويا في تاريخ الدولة والمدينة ولم يقتصر دورها على الحياة الاقتصادية. بل تعداه الى النواحي الفكرية والاجتماعية. ويعد سوق الثلاثاء في الجانب الشرقي من بغداد اقدم اسواق المدينة، حيث كان يقام بها يوم الثلاثاء سوق لأهل كلواذى قبل ان يعمر الخليفة المنصور مدينته. فلما ازدهرت المدينة الشرقية اصبح سوق الثلاثاء مركزا تجاريا نشيطا امتد الى مسافة كبيرة. تبدأ من الطرف الشرقي للجسر الاسفل ممتدة مع الشارع الاعظم الصاعد الى باب الطاق. هذا ما ذكرته بعض المصادر التاريخية التي تتحدث عن بغداد. وتستمر المصادر بالحديث فتقول (ومما زاد في اهمية هذا السوق انها اصبحت من اهم محلات بغداد الشرقية المكتظة بالسكان. والى الجنوب الشرقي من سوق الثلاثاء يقع سوق الرياحين الذي لا يبعد كثيرا عن دار الخلافة....). وسوق دانيال الحالي الذي يتوسد جزءاً مهما من محلة سوق الثلاثاء العباسي في جانب الرصافة الشرقي من بغداد ما هو الا امتداد لذلك الاثر الخالد مع ما يحيط به من رموز تاريخية كثيرة كانت القلب النابض لمدينتنا عبر مئات السنين. وهناك صورة قديمة لبغداد التقطتها احدى طائرات القوات البريطانية من الجو عام (1917 م) بعد احتلالها للعراق ودخولها بغداد. توضح بشكل كامل لجزء حيوي من رصافة بغداد مع ظهور الشواهد المهمة من ذلك الجانب حيث الدور والمنشآت والاسواق والخانات والجوامع وغيرها. وقد ظهر جليا في الطرف الشرقي من الصورة موقع (خان الثلاثاء او خان جغان او الصاغة) وهذه كانت تسميته اي خان الصاغة قبل ازالته وبناء سوق دانيال مكانه في الربع الاول من القرن العشرين. تعد تلك المنطقة مركزا لبغداد القديمة حيث سكنها خيرة القادة والشخصيات والعلماء والمدرسين في الادوار المختلفة للدولة العباسة وما بعدها. كان يقع بقربها او متداخلا معها الكثير من دور العلم كالمدرسة النظامية والمدرسة المستنصرية والمدرسة الوفائية والمرجانية والقائمة تطول. فضلا عن المساجد ذات التاريخ العريق والذي يعد كل واحد منها مدرسة قائمة بذاتها كمسجد الحظائر (الخفافين) الذي شيدته (زمرد خاتون) ام الخليفة الناصر لدين الله العباسي حيث تعد منارته ذات الطراز البغدادي الجميل اقدم منارة باقية من تلك الحقبة حتى الآن. وبعد سيطرة الدولة العثمانية على العراق مدة استغرقت (400 عام) تقريبا زالت الكثير من تلك الشواهد التاريخية. فمنها ما اهمل ومنها ما درس ومنها ما بقي يتحدى الظروف ويطلب من محبي بغداد ازالة غبار الزمن عن وجهها الجميل. ومع مجيء الحكم الوطني للعراق عام (1921 م) بدأت حملة وطنية لإعادة وجه بغداد المشرق كما كانت عليه في ايام دولة بني العباس الزاهرة، فتم ترميم واعادة بناء المدرسة العلية (القصر العباسي) على نهر دجلة بعد ان لعبت به يد القدر والبشر ما شاء لها ان تلعب. فضلا عن استملاك الاسواق والمحلات المجاورة للمدرسة المستنصرية وازالتها واظهار وجهها الجميل واعادتها اجمل مما كانت عليه سابقا. وشموخ جامع السلطان (جامع الخلفاء) بمنارته الرائعة بعد محاولة الاحتلال البريطاني ازالتها بحجة انها أيلة للسقوط وعدم جعلها سببا في ايذاء الناس. ولولا تدخل بعض اهل العلم والناس العقلاء ببغداد لزالت من الوجود كما زالت بوابات سور بغداد العباسي من خلال جهل الآخرين بأهميتها. هذه بعض الابنية التاريخية التي اعيدت اليها الروح وغيرها الكثير. وبدأت بغداد تستعيد مجدها الماضي واخذ الجيل الجديد من ابنائها بالتعرف على عظمة مدينتهم وتقدم الحياة في كافة مجالاتها على يد رجالها وابنائها الذين سبقوهم. واذ استطاعت يد الانسان العراقي والبغدادي انتشال بعض تلك الشواخص، فإن بعضها كان قد اصبح اثرا بعد عين واختفت ملامحه ولا يمكن اعادته لصورته الاولى الا بإزالة ما تبقى منه واقامة بناء جديد في موقعه القديم. وهذا ما حدث لجزء من موقع سوق الثلاثاء القديم وبعد ان اندرست ملامحه لكثرة ما بني عليه من منشآت مستحدثة وعلى مر السنين. فلم يبق منه غير خان قديم متداعي الاطراف اختلط ببقايا المدرسة النظامية سمي في الحقبة العثمانية (بخان جغان) وهي تسمية محرفة عن (خان جغالة زادة) نسبة للوالي العثماني الذي انشأه عام (999هـ - 1590 م) (سنان باشا جغالة زادة) فنسب الى لقبه. ومرت الاعوام على هذا الخان وهو باق على حاله. وقد اطلق عليه ايضا في بداية القرن العشرين تسمية (خان الصاغة) حيث انتشرت به مجموعة دكاكين تختص بصياغة الذهب والفضة وانحصرت هذه المهنة بيد الطائفة اليهودية وعدد قليل من المسلمين فضلا عن المسيحيين والصابئة. وفي نهاية عشرينيات القرن الماضي وبالتحديد عام (1929م) وكما ذكر الاستاذ عباس العزاوي المحامي في كتابه القيم (تاريخ العراق بين احتلالين) ( ج4، ص 128)، حين قال (كان هذا الخان قائماً ويسمى خان الصاغة او (خان جغان) بتحوير طفيف في اصل اللفظ ولكنه في سنة (1929م/1348هـ) قلع من اصله وبني مجدداً واتخذت فيه اسواق لبيع الاقمشة الحريرية وما ماثلها ولم يبق منه للصاغه الا قسم قليل. امتلكه السيد مناحيم دانيال (مناحيم صالح دانيال-1846-1940 م) صاحب المبرات العديدة مع الصديق (اي صديق المؤرخ الاستاذ عباس العزاوي المحامي) السيد (صالح قحطان المحامي وشركاء آخرون). فضلا عن ذلك فقد ذكر الاستاذ العزاوي انه كانت هناك كتابة تركية زالت معالمها ولم يبق منها الا ما ذكره مما عثر عليه وكانت تلك الكتابة موجودة على بابه اي باب الخان في زمن المؤلف. وهي بخط الخطاط العراقي (عبد الباقي المولوي المعروف بقوسي). وهذا هو نص الكتابة (عمر هذا الخان وما فيه من البنيان في ايام دولة السلطان ابن السلطان مراد خان (الثالث) خلد الله ملكه وسلطانه وافاض على كافة العالمين عدله واحسانه 999هـ). و(مناحيم صالح دانيال) وولده (عزرا مناحيم صالح دانيال) (1874 - 1952 م) الذي ورث الخان والسوق بعد أبيه آنف الذكر، هما من أسرة آل دانيال (من يهود العراق) التي اشتهرت منذ النصف الاول من القرن التاسع عشر بثرائها ونفوذها. هذا ما ذكره الاديب (مير بصري) (رئيس الطائفة اليهودية في العراق سابقا) في كتابه (اعلام اليهود في العراق الحديث ص 93). وذكر ايضا انها اسرة عراقية قديمة كان اول من اشتهر منها الصيرفي (مناحيم بن دانيال بن مناحيم كرجي نفتالي) المتوفى عام ( 1877م). ويقول الاستاذ (ابراهيم الدروبي) في مصنفه التراثي (البغداديون اخبارهم ومجالسهم ص 238)، (ان اسرة آل دانيال اسرة قديمة، اصل هذه الاسرة من كرجستان (دولة جورجيا حاليا)، اتخذت بغداد وطناً لها وسكنت محلة التوراة وامتهنت التجارة والزراعة وكانت على جانب من الجاه والثروة نبغ منها مناحيم صالح دانيال.....)، واخبرنا الاستاذ (مازن لطيف) في كتابه (يهود العراق ص 93)، بأن اليهود، (كانت لهم اسواق ومناطق عرفت بهم منها سوق حنون، عكد الجام، محلة التوراة، ابو سيفين، محلة بني سعيد، شارع غازي (الكفاح) ثم البتاوين. وكانت جل اراضي شبه جزيرة الجادرية (في نهر دجلة) ملكا لبعض الاثرياء اليهود، ومنهم عائلة دانيال صاحب السوق المشهور وسط بغداد). اقول فضلا عن تلك المناطق المذكورة سابقا فقد سكنوا محلة (قنبر علي) جانب الرصافة ومحلة (تحت التكية) قرب الشورجة زائدا محلة (عكد النصارى) المطلة على شارع الرشيد من جهة وشارع الجمهورية او الخلفاء من جهة اخرى وقد آلت ملكية دار اقبال الدولة على شاطئ دجلة لمناحيم دانيال افندي. هذا ما ذكره الدكتور عماد عبد السلام رؤوف في كتابه (معالم بغداد ص 316). ابقى المالك الجديد للخان (عزرا مناحيم دانيال) اسم عائلة ال دانيال على بناية السوق الحديث الذي شيده والده على انقاض الخان القديم وبأحدث اسس البناء انذاك حيث انتهى من انشائه في ثلاثينيات القرن العشرين. بعد ذلك بيعت منه حصتان واحدة لعائلة (محسن الجزائري) والاخرى لعائلة ( عبد اللطيف العاني). ذكريات المكان والأشخاص كان البناء الذي عمل على انشائه خيرة اسطوات بغداد انذاك عبارة عن هيكل من الحديد المربوط بشكل محكم كوحدة واحدة وهي طريقة بناء حديثة لم تعهدها ابنية بغداد في حينها. قام المهندس المسؤول عن البناء بإكساء هذا الهيكل بالطابوق الفاخر وتم تسقيفه بطبقات من الحديد المضلع (الجينكو) عالي الجودة ومن ثم تم رصف ارضيته ببلاطات خاصة ذات قطع صغيرة تتلاءم مع طبيعة وشكل السوق. ومدت له انابيب تصريف مياه الامطار بشكل هندسي راق قبل ان تخربها يد الانسان الجاهل وانانيته. قسم بعد ذلك لمجموعة من المحال متساوية المساحة تقريباً وعند انجاز البناء اصبح السوق اعلى من كافة الابنية التي تحيط به بحيث كنت وانا صغير اصعد له من خلال اربع درجات كانت تؤدي اليه اما الآن فقد اصبحت ارضيته مساوية لأرضية الدروب التي تجاوره بعد دفن تلك الطرق عدة مرات. اما حدود السوق فهي من الشمال المدرسة المستنصرية وسوق السراي وجسر الشهداء ومن الغرب سوق الخفافين ومسجد الحظائر ونهر دجلة ومن الجنوب شارعا النهر او المستنصر وشارع السموأل ومن الشرق اسواق بيع الاقمشة بالجملة وسوق الصفافير وشارع الرشيد. يتكون سوق دانيال من ثلاث اسواق متوازية بعضها مع بعض. وتستند جوانبه الاربعة على اسقف محال لأسواق اخرى تجاوره وهو تفكير هندسي سليم يساعد في توسيع مساحته.
|