ذاكرة عراقية

 

لقاء مع نوري السعيد قبل أكثر من نصف قرن

ياسين الحسيني

عدد المشاهدات   282
تاريخ النشر       21/09/2012 07:29 PM



عندما زار الصحفي الفلسطيني مولدا والمصري اقامة بغداد والتقى بالمرحوم نوري السعيد في بيته وطرح عليه مجموعة من الاسئلة السياسية ورأيه بالسياسيين العراقيون وعن علاقته ببريطانيا حتى اطلق عليه لقب رجل بريطانيا الاول في الشرق الاوسط وعندما التقيت به واستمعت اليه بإنصات وكنت اكتب كل كلمة يقولها ومن ما قاله عن السياسيين العراقيين: اسمع ليس هناك سياسي عراقي واحد او مسؤول عراقي واحد لم يواجه الضغط الانكلوامريكي المستمر وخاصة ضم العراق الى موكب تركيا وايران وباكستان عسكريا وسياسيا مع الابتعاد عن كل مشاريع الجامعة العربية ومصر والعرب في ميادين الدفاع وعندما سأله عن اسباب هروب او هجرة اليهود العراقيين الى الارض المحتلة يقول قلت له مقاطعا ومتهكما ولا حتى توفيق السويدي قال ان حكومة السويدي ارادت ان تسقط الجنسية العراقية عن يهود العراق المسافرين الى الارض المحتلة دون ان تتخذ اي خطوة رسمية لتجميد أموالهم وأملاكهم يضاف الى ذلك الظروف والضغوط والمؤامرات علينا وحولنا قلت ولماذا سمحتم لهم بالهجرة قال ان امريكا هي صاحبة الفكرة ومعها بريطانيا الدولة الثانية ولكن امريكا هي التي ضغطت علينا قلت ألم يكن بإمكانكم اتخاذ موقف حازم يرفض الاقتراح ويقاوم الضغط ولا يفتح الابواب امام الهاربين والمسافرين؟ قال من المؤسف ان بعض الوزراء العراقيين وبعض رجال الامن في بغداد استسلموا للاغراءات المالية وساعدوا على هجرة يهود العراق الى فلسطين المحتلة وهذا شيء معروف لدينا. قلت: وهل كانت وزارة توفيق السويدي ضمن تلك الفئات؟ قال بعد تردد: اجل وقد اصابنا ذلك والحق بنا الكثير من الخسائر والاضرار ففي مستهل عام 1950 ترك العراق ثلاثة وثلاثين الف يهودي وارتفع العدد بعد اقل من عام الى 90 الف يهودي ولم يبق منه في البلاد سوى 6000 يهودي. قلت: وماذا كان موقفكم ايها الباشا من هذه المؤامرة؟ قال: انا لم احشر نفسي في هذه القضية مطلقا لاني كنت منهمكا في تعديل اتفاقية النفط مع بريطانيا وكان صالح جبر هو الذي يشرف على التنفيذ وكانت الطائرات الاميركية هي التي تحمله سرا وفي الليل من مطار بغداد الى مطارات داخل فلسطين المحتلة. قلت: وهل انتهت المؤامرة بانتهاء نقل هؤلاء اليهود العراقيين الى فلسطين المحتلة؟ اجاب: بل لقد استمرت الضغوط فوق رأسي تارة من امريكا وتارة من بريطانيا وكلها تطالب بضرورة فتح انابيب النفط العراقي الى ميناء حيفا اكراما لليهود! قلت: وما المقابل؟ وهل عرضوا عليكم الثمن؟ اجاب: كان الموقف الاميركي كالموقف البريطاني واضحا بلا رتوش قالو لنا بكل صراحة اذا كنتم تريدون اسلحة امريكية او بريطانية لجيشكم فعليكم التعهد بتنفيذ ما يعود بالفائدة على المحتل الاسرائيلي مع التعهد بعدم استعمال اي سلاح ضده والتعاون وهذا هو المهم مع مشاريع الدفاع على الشرق الاوسط باشراف امريكي وبريطاني.
ثم سألت الباشا: ترى هل جاؤوا للدفاع عنكم وعن العراق ام جاؤوا للدفاع عن نفط العراق مع ضمكم الى صفوفهم والى سياستهم؟ قال: الكلام لا يحتاج الى تفسير ان النفط وقناة السويس والقواعد العسكرية الموزعة في انحاء المنطقة هي الثروة المطلوبة حمايتها المطلوب منا التعاون مع كل الخطط الامريكية والبريطانية في الدفاع عنها وقد كانت امريكا تنوي اقامة قيادة عسكرية للدفاع عن الشرق الاوسط تشترك فيها بريطانيا وفرنسا وتركيا والعراق والاردن وكان المطلوب منا التعاون مع تلك القيادة. ويقول نوري السعيد: كنت رئيسا للوزارة وكنت اريد تعديل المعاهدة العراقية مع الانكليز ورأيت ان القبول لفكرة الانضمام الى مشاريع الغرب للدفاع عن الشرط الاوسط قد يساعدنا على تعديل معاهدة 1930 مع بريطانيا خاصة ان مصر يوم ذاك كان يرأسها مصطفى النحاس قد الغت معاهداتها مع انكلترا فبادرت لندن الى المطالبة بانضمام مصر الى قيادة عسكرية مشتركة جنبا الى جنب مع امريكا وفرنسا وتركيا على ان تحل هذه القوات المشتركة مكان القوات الانكليزية في قاعدة القتال او القناة ورفضت مصر الطلب الامريكي واستطاع الشارع العراقي ان يرغم وزارة بغداد على رفض مشاريع الدفاع المطروحة الى ان جاء مولد ميثاق التعاون العسكري بين تركيا وباكستان في ربيع 1954 الذي اعتبرته امريكا القاعدة العسكرية لانشاء خطط الدفاع على الشرق الاوسط.
وسألته: هل كان السيد فاضل الجمالي وهو تلميذ السياسة الامريكية الوفي على راس الحكومة العراقية يوم ذاك وكان الجمالي في الحكم حتى نهاية عام 1954 ثم تسلمت انا المسؤولية منه وانا الذي وافقت على مولد ميثاق تركي عراقي للتعاون والامن في شتاء 1955؟ قلت مندهشا: وما ثمن كل ذلك يا باشا؟ قال مع شيء من الضيق والنرفزة: انتظر حتى انتهي من سرد التفاصيل..
فقد جاء جون فوستر دالاس وزير خارجية امريكا يزورنا في بغداد بعد ان زار فلسطين المحتلة ومصر ولبنان والاردن وسوريا واجرى معنا مباحثات مطولة وعرض علينا مشاركة في مشاريع الدفاع عن الشرق الاوسط فأجبناه ان القضية الفلسطينية هي العقبة الكبرى في طريق اي تفاهم بيننا وبين دول الغرب وان الحل العادل لقضية فلسطين وحده قادر على ان يمهد الطريق امام اي تفاهم او تعاون بين امريكا والعراق على اي مستوى كان وفي اي ميدان وقال هذا بالضبط ما سمعه دلاس من جميل المدفعي وعندما التقى دلاس مع توفيق السويدي وكان وزيرا للخارجية قال له السويدي بالحرف الواحد ان الغرب لم يعد طرفا يتمتع باي مصداقية من الجانب العراقي وان الوضع الظالم والمظلم في قضية فلسطين قد زاد الطين بلة. ويقول نوري السعيد رئيس الوزراء لجون فوستر دلاس ان الصخرة الكبيرة التي تتحطم فوقها اي آمال بالتعاون المطلوب معكم هي صخرة فلسطين وما يعانيه شعب فلسطين من آلام والحالة التعسة التي وجد فيها الفلسطينيون اللاجئون انفسهم في لبنان والاردن وسوريا والعراق وعندما قابل دلاس رئيس مجلس النواب د. فاضل الجمالي في مكتبه ببغداد وحادثه في موضوع اشتراك العراق في مشاريع الدفاع، اجابه الجمالي قائلا: ان قرارات الامم المتحدة وفلسطين رغم انها خالية من معاني العدالة المطلوبة الا ان شعب فلسطين قد رضي بها ارضاء للرأي العام العالمي وتجنبا لمعارك جديدة ضد الغرب وامتثالا للامر الواقع.
قلت: ثم ماذا يا باشا؟ اجابني داهية العراق قائلا: ان الموضوع لم يقف عند ذلك الحد فقد مضيت اقابل قائد القوات البريطانية في الشرق الاوسط المستر روبرستون ورجال السفارتين الامريكية والبريطانية والكثير من الخبراء والزوار والمستشارين الانجليز والامريكان حتى وصلت الى نتيجة واحدة تقول لي بكل وضوح ان امريكا ترفض امدادنا بالاسلحة الحديثة لان ذلك - حسب رأيها - من شأن بريطانيا وحدها بموجب معاهدة عام 1930 مع العراق ولان الاسلحة المطلوبة هي أهم ورقة ضغط في يد امريكا علينا لكي ينضم العراق مرغما الى قيادة الدفاع المشترك عن الشرق الاوسط..
ودخلت الجامعة العربية بايعاز مصري مباشر على الخط واصدرت بيانا ضد احتمال اشراك اية دولة عربية في التحالف التركي الباكستاني!
واستغلت الاوساط الصهيونية هذا البيان الصادر عن الجامعة العربية واستطاعت ان تجمد كل المباحثات التي كانت تدور بين واشنطن وبغداد حول هذا الموضوع الى ان تحققت المعجزة وصدر بيان عن السفارة الامريكية في بغداد يحمل قرار امريكا في تزويد العراق بالمساعدات العسكرية (بدون اية شروط) حسب ما كانت تزعمه امريكا ولكن بشروط مجحفة وظالمة حسب ما ورد في مذكرة السفير الامريكي للعراق يوم 21 ابريل من عام 1954 التي ورد فيها ان العراق يقوم بتنمية روح التفاهم والتقارب وصيانة السلم العالمي وازالة التوتر الدولي والترحيب بموظفي الولايات المتحدة داخل العراق مع منحهم التسهيلات والامتيازات والصلاحيات المطلوبة سواء كانوا مدنيين ام عسكريين..
ثم سكت نوري السعيد..
وفجأة راح يشكو لي وعلى مسمعي من تصرفات الوصي الامير عبد الاله ونحوه..
وسمعته يقول بكل جرأة: هذا (صاحبك) الوصي على العرش نعم هذا الوصي يحتاج الى دروس والى خبرة والى رجولة والى اخلاق جيدة والى انضباط والى اشياء كثيرة يحتاج اليها في منصبه كوصي أنه في نظري وانا اعلم انه صديقك مجرد شاب اهوج مراهق يريد ان يكون صاحب الكلمة العليا في امور الدولة انه مغرم بامريكا ولا يخجل من التغني بالدور الامريكي القادم في التحالف معنا لا نكاية بالانجليز فحسب, بل نكاية برجل مثلي لم يأخذ من العراق ولا من الانكليز بعض ما اعطاه وكنت اغادر بغداد واسافر الى لندن او اسطنبول تجنبا لاي احتكاك مع عبد الاله في فصل الصيف. ان الوصي عبد الاله يريد ان يضم سوريا الى العراق ويصبح هو ملكا عليها ولكن سوريا ترفض ذلك لانها ترفض النظام الملكي وتكره الامير عبد الاله شخصيا.
لقد اهدر العراق امواله على السياسيين السوريين ولم ياخذ منهم الا العداء والتآمر وكنت اقول لهم دائما ان العراق (مأكول ومذموم) واذا استثنينا بعض الشخصيات السورية المعروفة التي كانت واعتادت ان تقبض من دول عربية غيرنا فاني اؤكد لك بان ليس هناك شخصية سورية مسؤولة لم تمد لنا يدها ولم تقبض من دنانيرنا وكنت دوما انصح عبد الاله بأن يغض الطرف عن الموضوع السوري وينسى مشاريع الاندماج مع سوريا وان يلتفت الى معالجة قضايا العراق الداخلية وحدها ولكنه رجل عنيد وطموح ومغرور وانا اخشى ان عداءه لي سيؤدي الى ان يغرق المركب ويقضي علينا جميعا انه يتلذذ في مهاجمة على اسماع الشلل التي يدعوها للسهر معه ويقول عني انني رجل اطرش ومخرف وعميل انكليزي واناني.
لكن هذا العميل الذي يهاجمه عبد الاله هو الرجل الذي شارك اعمامه واجداده في الحروب وبنى العراق الحديث وادخل العراق الى عصبة الامم وجاء باتفاقية البترول مع الانكليز وانشأ مجلس الاعمار وجعل للدينار العراقي قيمة في سوق العملات العراقية.
وشعرت بأن الباشا لم يعد قادرا على الكلام انه يعصر يده فوق بطنه ويمسح قطرات العرق المتصببة من وجهه ثم يقول لي ان بقية القصص معروفة عندك اليس كذلك؟
لقد سمعت منه ما لم يسمعه احد غيري وكنت اعلم انه حريص على ان يسمعني ذلك الكلام لاكثر من سبب:
اولا- لانه يتمنى ان انقل ذلك الى دوائر جمال عبد الناصر في القاهرة والى الوصي في بغداد.
ثانيا- لانه يتمنى ان يطرح نفسه ولو جزئيا كشخصية عربية عراقية وطنيا لا تأتيها الشبهة ولا الطعنة من امامها ولا من خلفها.
ثالثا- يتمنى ان يجد صحافيا يروي على لسانه تفاصيل حلف بغداد على حقيقتها لا كما اذاعتها صوت العرب.
لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسور واتفق نوري السعيد مع فاضل الجمالي بوجوب التخلي عن الفكرة القديمة والفاسدة للامن الجماعي العربي والعمل على الوصول الى قرارات واتفاقيات عملية مع تركيا ودول الغرب ضمن مشاريع دفاعية مشتركة ضد الشيوعية جري وراء تحقيق الاماني العراقية. وعندما اراد العراق بلسان الجمالي التلميح مجرد تلميح بالرغبة في اقامة اتحاد بين العراق وسوريا ولعل في ذلك ما كان يرضي الوصي عبد الاله جاء الجواب الامريكي سريعا لكي يقول في مذكرات رسمية متكررة وصريحة بان اي تحرك في هذا الاتجاه ليس مقبولا ويكون خطأ كبيرا.
ويومها تضاعف الضغط وارغموا فاضل الجمالي وزير الخارجية العراقي على ان يعلن للدنيا بعدم وجود اية نوايا عند الدول العربية عامة وعند العراق خاصة تجاه اسرائيل.. ثم ارغموا الجمالي ان يعترف بكل وضوح ويعلن في مذكرات عراقية رسمية ان قضية فلسطين يجب ان توضع جانبا عند اي تفكير ببرنامج الولايات المتحدة الامريكية للمساعدات العسكرية الى العراق.
وتطوع المستر بايرود الامريكي المسؤول واعلن ان اصرار العرب على تنفيذ قرارات الامم المتحدة لعام 1947 حول فلسطين هو اصرار غير معقول لان تطبيق هذه القرارت سيؤدي الى تغيير جذري في الحدود الاقليمية لاسرائيل وهذا لا يمكن تنفيذه الا عن طريق القوة ويحدثنا الصحفي النشاشيبي عندما عدت من بغداد الى القاهرة التقيت بالزعيم جمال عبد الناصر في المنزل القديم للزميل محمد حسنين هيكل الواقع في شارع شجرة الدر بالزمالك وسألني عن مهمة صلاح سالم في العراق. واجبته ان نوري السعيد قال لي انه على استعداد لان يقف في البرلمان العراقي ويعلن تجميد حلف بغداد اذا كان عبد الناصر على استعداد للقاء والتباحث والاتفاق معه على الخطوة التالية اجابني عبد الناصر على مسمع من حسنين هيكل والمشير عامر ان صاحبك نوري السعيد رجل كذاب وانا لا اصدقه ولا اثق به، كما لم تفلح توسلات نوري السعيد ولا نداءات توفيق السويدي ولا تصريحات فاضل الجمالي في ان تبدل او تغير شيئا من سياسة اسرائيل او تشطب فقرة واحدة من خطب بن كوريون او تعيد لاجئا فلسطينيا واحدا الى ارضه التي طردوه منها مادامت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وبعض الدول الغربية واقعة تحت السيطرة الصهيونية.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com