ذاكرة عراقية

 

توثيق صوتي لمجريات الحياة في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية

شكيب كاظم

عدد المشاهدات   353
تاريخ النشر       06/08/2013 08:08 PM


القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية المعروفة اختصارا بـ(B.B.C) من الاذاعات التي استقطبت اسماع الناس في الوطن العربي، منذ بدء تأسيسها في الثالث من كانون الثاني سنة 1938 والحرب العالمية الثانية على الابواب، وارهاصاتها تشير الى الآتي من ايام البؤس والخراب، هذا الاستقطاب جاء من سبب مهم وحيوي، هو الحرية الواسعة، والحيادية في نقل الخبر واستطلاع وجهة نظر الآخر، في وقت كانت تعاني الاذاعات العربية وان بنسب متفاوتة معضلة التعبير عن وجهة نظر الحاكم، أو الدولة ان شئنا التوسعة، والحاكم في كل الدول العربية هو الدولة، فالشعب انا وانا الشعب، واذا قلت قال العراق، هذا الاحتكار يتباين بين دولة وأخرى، وكنت أرى الصحافة الكويتية واذاعتها من أكثر الصحف والاذاعات العربية حرية، وإظهار وجهة النظر المغايرة او الاخرى، غير ناسين لبنان واحة الحرية والديمقراطية وملجأ كل المضطهدين في بلاد العرب، ولقد كنت أعجب من الاذاعة التونسية، سواء تلك التي تبث من تونس العاصمة او المنستير، وكنت أحسب تونس بلدا ديمقراطيا، بسبب ما كنا نقرأ عن مفكريه وتونس بلد زاخر، بالكفاءات والمواهب، حتى اذا ذهبت الى ليبيا منتصف سنوات التسعين من القرن العشرين للعمل في ثانوياتها مدرسا للغة العربية وليبيا القذافي، تجري ضد تيار الحياة في كل شيء، فاذاعتهم المسماة (صوت الوطن العربي الكبير) تصرخ ليلا بشعارات الكتاب الاخضر والنظرية العالمية الثالثة، وتسبت وتنام صباحا، فلم يبق امامنا في النهار سوى الاذاعة التونسية، بوصف تونس بلدا مجاورا، وكنت اعجب من عبادة الشخصية التي يسبغها المذياع التونسي على شخص الرئيس زين العابدين بن علي المعروف بكثرة خطاباته الطويلة، والاذاعة التونسية تقدم موجزا عند رأس كل ساعة، ولك ان تتصور الازعاج الذي يصفعك به المذياع التونسي، وهو يعيد عليك كل ساعة، خطاب الرئيس السابق والى حد الملل والضجر، لذا كنا نهرب الى القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية او الى اذاعة مونت كارلو الفرنسية الرائعة التي بدأت البث منتصف عقد السبعين من القرن العشرين.
مناسبة حديثي هذا، ان القسم العربي الذي عرفت عنه حيويته، واقترابه من اذواق الناس قد استحدث برنامجا جديدا، عنوانه (ذاكرة اذاعة) يعده ويقدمه الاذاعي المتمكن فؤاد عبدالرازق، ويبث في اوقات متعددة، وانا حريص على سماعه عند الخامسة فجرا، فانا انام مبكرا وأنهض مبكرا وأكون مستعدا لسماعه بعد ان اكون قد اديت صلاة الفجر، واني لأعجب كيف يظل الانسان في فراشه وشمس الله تملأ الافاق بنورها البهيج ولا يمتع نفسه بمنظر ضوء النهار ينبلج رويدا رويدا، فاسحا المجال لسواد الليل بأن يلملم سجنه ويرحل، اقول احرص على سماع هذا البرنامج الجميل الذي يقسم الى فقرات خمس، كل فقرة زمنها خمس دقائق، ولعل من اجمل فقراته، فقرة (قول على قول) التي كنا نتابعها في سنوات خلت، يقدمها الاذاعي المقتدر (حسن الكرمي) مجيبا عن اسئلة المستمعين بصدد بيت من الشعر وما المناسبة التي قيل فيها، وهذا التقديم الرائع وهذه اللازمة التي دأب حسن الكرمي على تقديمها بها، قبل ان يتقاعد ونخسر هذا البرنامج الجميل، ومن ثم ينتقل الى رحمة الله بداية شهر مايس سنة 2007، ولقد أحسن الراحل الكبير حسن الكرمي صنعا اذ وثق برنامجه الثقافي الرائع هذا، ولم يتركه لرحمة الاثير ليتلاشى بعد حين، بل جمعه واصدره في كتاب حمل عنوان البرنامج ذاته (قول على قول). كما استمعنا لمقابلات مع الأديب السوداني الطيب صالح (1929 - الاربعاء 18/ 2 /2009) والصحفي المصري الشهير مصطفى امين ومقابلة باللغة الانكليزية أجراها صحفي بريطاني مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (1918 - 1970) في شهر كانون الثاني من سنة 1959، ولقد عجبت من وأعجبت بلغة الرئيس ناصر الانكليزية، لقد كانت جيدة، وعهدي به انه لا يجيدها. فضلا على فقرات اخر، وفي جعبة فؤاد عبدالرازق - لا شك - المزيد. لقد سعدت ايما سعادة، وانا استمع الى جزء من مقابلة مع الاذاعية مديحة رشيد المدفعي اول صوت نسائي ينطلق من القسم العربي قارئا لنشرات الاخبار حتى قبل ان يسمح للمذيعات البريطانيات لقراءة الاخبار من اذاعة لندن، والبريطانيون محافظون ومعروفون بدقتهم وصراحتهم فضلا على كونها من اجمل الاصوات الاذاعية التي عملت بالقسم العربي، لقد تحدثت مديحة رشيد المدفعي، في هذه المقابلة المجراة معها سنة 2003 لمناسبة الذكرى الخامسة والستين على انطلاق بث القسم العربي، تحدثت عن ذكرياتها ايام حرب تشرين/ اكتوبر سنة 1973، وصادف انها كانت تذيع نشرة الاخبار، وما ان همت بالقراءة حتى فتح أحد موظفي الاذاعة الانكليز استوديو البث ليضع امامها (التيكر) وفيه خبر عاجل عن عبور الجيش المصري لقناة السويس وتحطيمه لخط بارليف، تقول وضع امامي النص الانكليزي وخرج، قرأته وتمالكت نفسي وملأت صدري بالهواء وبدأت بالقراءة: ايها المستمعون الكرام، جاءني ما يلي: لقد عبر الجنود المصريون قناة السويس، وقاموا بتحطيم تحصينات خط بارليف وانهم يواصلون التقدم في عمق الاراضي.. وتحدثت عن حيادية مسؤولي القسم وعدم تدخلهم في حرية منتسبيه وانها كثيرا ما شاهدت مذيعي القسم يمسكون نشرة الأخبار بيد، ويمسحون دموعهم - وهم يقرأون - باليد الأخرى، محاولين مغالبة مشاعرهم. اقول لقد فرحت وانا استمع الى صوت الاذاعية مديحة رشيد المدفعي، في تلك المقابلة التي أجريت معها سنة 2003، لقد ذهب للأسف ذلك الرواء وتلك الحلاوة في الصوت فللزمن القاهر قوانينه، وكلنا صاغرون نخضع لمشيئته، لكنها لم تتحدث عن قراءتها لنشرة اخبار الساعة الرابعة - او لعلها تحدثت في المقابلة ولم تقدم في هذه الفقرة المجتزأة - من عصر يوم الأثنين الخامس من حزيران لسنة 1967، واندلاع المعارك بين مصر وسورية والاردن من جهة والكيان الصهيوني من جهة اخرى، لقد كنا نحسب اننا هزمنا، فلقد تحطم الطيران الحربي المصري بضربة صاعقة، وكنا نريد الخبر اليقين من جهة محايدة، فالاذاعات العربية تتصارخ وتزعق، فجاء صوت المذيعة مديحة رشيد المدفعي ليقدم لنا تلك النشرة، وهو ما سبق ان كتبته ونشرته جريدة (الزمان) طبعة لندن وعلى الصفحة الحادية عشرة من ملحق (الف ياء) الثقافي يوم السبت 2/ من ذي الحجة/ 1432 - 29 /10 /2012 تحت عنوان (من يتذكر المذيعة مديحة رشيد المدفعي؟)واتساءل مرة ثانية، كما تساءلت في مقالي السابق الذي اشرت اليه آنفا، ترى اين هي الان مديحة رشيد المدفعي؟ من يعرف عنها شيئا، عن اجمل صوت نسائي في تأريخ الاذاعة العربية، مع احترامي وتقديري للإذاعيات العربيات الرائعات، هدى الرشيد بصوتها الساحر، ونجوى الطامي، بإلقائها الاخاذ، وعلياء شرباتي وهي تشدو قراءة، بعد ان غادرته، سلوى الجراح.
وبعد هل يجود علينا فؤاد عبدالرزاق بأن يقدم لنا شذرات من تلك الأصوات الجميلة، أصوات مذيعي ومذيعات تلك السنوات الخاليات، رشاد رمضان ومحمد صالح الصيد وفاروق الدمرداش وعاطف عبدالجواد وعفاف جلال ونادية صالح وعبلة الخماش وصلاح نيازي وغيرهم ممن ضاع من الذاكرة كي نستعيد مع أصواتهم ايامنا الماضية، التي تكاد تلملم اوراقها ايذانا بالرحيل؟!.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com