ذاكرة عراقية

 

المؤسسات التعليمية في المشرق العربي العثماني

أ.د.أسامة عبدالرحمن نعمان

عدد المشاهدات   388
تاريخ النشر       18/09/2013 06:27 PM



عَلى مدى سنوات عديدة إعتكف المؤرخ العراقي القدير الأستاذ الدكتور فاضل بيات، الخبير في مركز إرسيكا (مركز الابحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية) التابع لمنظمة التعاون الإسلامي باستانبول على اعداد وتأليف الكتاب أعلاه، والذي صدر من قبل المركز نفسه ضمن سلسلة تاريخ البلدان الإسلامية من خلال وثائق الآرشيف العثماني وذلك في تموز 2013.
بادئ ذي بدء لابد من الاشارة الى ان كتبا عديدة ظهرت منذ سنوات طوال تتناول التعليم في العهد العثماني، ومنها مؤلفات ورسائل علمية تناولت، مثلا، التعليم في العراق خلال العهد العثماني وأبرزها مؤلفات الاستاذ عبدالرزاق الهلالي، والدكتور ابراهيم خليل احمد والدكتور جميل موسى النجار وغيرهم، ولكن يتميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب والمؤلفات ان صاحب الكتاب استعان بوثائق عثمانية وبخاصة وثائق وزارة المعارف العثمانية مكّنه من ذلك اتقانه اللغتين العثمانية والتركية إضافة الى دقته باللغة العربية وإقامته الطويلة في استانبول لينهل عن قرب من الآرشيف العثماني، وهذا ما نريد التركيز عليه. وفضلا عن كل ذلك فهو كتاب شامل يتناول المؤسسات التعليمية في ولايات بغداد والموصل والبصرة وسورية وحلب وبيروت والحجاز واليمن والالوية المستقلة المرتبطة بالباب العالي مباشرة: القدس والزور والمدينة المنورة وعسير.
جاء في مقدمة الكتاب التي كتبها الدكتور خالد أرن مدير عام مركز إرسيكا، أن هذا الكتاب يدحض الفكرة الخاطئة التي ألبست للدولة العثمانية على انها "لم تبذل الجهود اللازمة لتعليم أبناء الأهالي ونشر المؤسسات التعليمية في البلاد العربية "، واكد على ان ذلك يعود الى غياب الوثائق العثمانية عن دراسات معظم الباحثين العرب، وهو رأي يجانبه الصواب الى حد كبير.
يؤكد الدكتور خالد أرن، إن هذا الكتاب دحض فكرة إهمال الدولة العثمانية للتعليم جملة وتفصيلا "ليثبت أن الدولة العثمانية لم تأل جهداً بهذا المجال، وسعت بكل ما اوتيت من إمكانيات لإنتشال الرعايا من الجهل والتخلف، وذلك بنشر المؤسسات التعليمية بكل انواعها ومستوياتها" من مراكز الالوية الى اقصى قرية نائية، ناهيك عن العشائر المتنقلة، هذا رأي الدكتور خالد، وان كان هذا الرأي سديداً فإن كل ما تعلمناه من رمي سهام التخلف، سابقاً، الى الإدارة العثمانية يجب ان يُعاد النظر فيه في ضوء الحقائق الجديدة التي ساقها المؤلف.
يبدو ان مؤلف الكتاب كان مهتما منذ فترة سنوات طويلة للكتابة عن هذا الموضوع فهو يذكر في مقدمته ان هذا الموضوع خطط له شخصياً قبل عشرات السنين، ويبدو ان معرفته المعمقة باللغتين التركية والعثمانية، كما أشرت، اعلاه لتحقيق رغبته، ولا ننسى ان الرجل قضى شطرا طويلا من عمره في العمل الاكاديمي في العراق والأردن قبل ان يستقر نهائيا ومرغما في استانبول. تكمن أهمية الكتاب في أنه لم يعتمد على سالنامات الولايات العثمانية ونظارة المعارف فقط بل غاص بين مئات الالاف من وثائق الارشيف العثماني في إستانبول، كما اخبرني بذلك شخصيا وكما يبدو من قائمة مصادر الكتاب، والتي يعجز الانسان وحده الاحاطة بها لكثرتها وتنوعها.
برر المؤلف عمله هذا لوحده وجمعه لهذه المادة الغزيرة بكتاب واحد ضخم تجاوزت عدد صفحاته الـ(860) صفحة من القطع الكبير، بأنه لم يقتنع ان يكتب تاريخ التعليم في كل ولاية على حدة، خشية من تكرار بعض المعلومات، كما انه قسّم الموضوع على أساس المراحل الدراسية، مثلما برر عدم الاستعانة بفريق عمل على الرغم من سّعة هذا العمل، هوخشيته أن يفتقر اعضاء الفريق من الإلمام باللغة العثمانية وبالمصطلحات والتراكيب اللغوية العثمانية وأن يتعثر العمل برمته.
أعجبني إعتراف المؤلف انه ركّز على المؤسسات التعليمية الرسمية الحديثة، إلا انه لم يهمل المدارس الخاصة وغير الرسمية، وبالوقت نفسه يعترف، وهذا امر يحسب له لاعليه، ان المدارس غير الرسمية لم تأخذ حقها في هذا الكتاب، على الرغم من وجود ملفات خاصة بالمدارس الخاصة في الارشيف العثماني لخشيته أن يكون ذلك على حساب الدراسة ككل.
ويكتب، العارف باللغة العثمانية، عن معاناته في قراءة بعض المصطلحات العثمانية وكذلك قراءة الاماكن الواردة في الوثائق العثمانية سواء لتشابه الحروف مع بعضها او خضوعها لتأويلات مختلفة، حسب وضع النقاط عليها او تحتها او حتى تجريدها من هذه الحروف، علما انه أخبرني شخصيا انه كان يستعين بمتخصصين في عدد من البلدان العربية لمعرفة حقيقة تلك الاماكن إلا انهم كانوا يعجزون احيانا أيضا عن قراءة بعضها، فمثلاً، كلمة "يريم "، اورد لها إمكانية قراءتها باكثر من (45) شكلا مختلفاً، ولهذا فإنه يعلن إعترافه انه ربما اخطأ في قراءة أسماء بعض القرى، وهذا يعبر عن روحه الاكاديمية العلمية.
واجهت الباحث مشكلة اخرى تواجه الكثير من المؤرخين والباحثين وهي مسألة التواريخ حيث كانت الدوائر الرسمية العثمانية تستخدم في بداية الامر التاريخ الهجري فقط، ولكن قبيل عهد التنظيمات بدأت السلطات العثمانية باستخدام التاريخ الرومي بجانب التاريخ الهجري ثم اكتفيّ بالتاريخ الرومي فإضطر المؤلف الى تحويل كل التواريخ الى الميلادي.
والعجيب ان المؤلف الذي قدم لنا مادة علمية غزيرة ورصينة عن المؤسسات التعليمية في المشرق العربي يكشف ان عمله ربما يكون غير متكامل، لأن هناك الملايين من الوثائق العثمانية لا زالت غير مصنفة بعد، ولهذا فإن المعلومات عن بعض الموضوعات غير مكتملة ومبتورة! اعتراف في غاية الامانة العلمية، فبدلا من ان يتفاخر بانه قدم عملا جديدا قلب الرؤى عن فترة مهمة من التاريخ العثماني تجاه المشرق العربي نراه يؤكد ان هناك وثائق تحتاج الى ان يناط اللثام عنها مستقبلا لكي تكتمل الصورة عن تاريخ المشرق العربي العثماني كما يحلو له ان يقول دون ان يشير الى انها كانت احتلالا ام سيطرة، الامر الذي ظل يشغل بال الكثيرين من الباحثين والمؤرخين وحتى السياسيين هل نسميه احتلالا ام سيطرة.
واخيرا يفسح المجال للباحثين من الشباب المجال لدراسة التاريخ العثماني بعمق اكثر وبانه لا زال بكرا فيشير مثلا، الى ان المدارس الابتدائية والرشدية والخاصة ومدارس الطوائف غير الاسلامية والمدارس الاجنبية لم تاخذ حقها في كتابه لان الوثائق الخاصة بها لم تصنف بعد في الارشيف العثماني.
قسّم المؤلف الكتاب الى ثلاثة عشر فصلا حسب الموضوعات وانواع ومستويات الدراسة وليس على أساس التقسيم الجغرافي، ويمهد لكل موضوع بداياته ونشاته وتطوره في الدولة العثمانية ككل ثم في الولايات العربية.
ويضم الكتاب ملاحق ضمت وثائق وصوراً تتعلق بالمؤسسات التعليمية، ولكن تمنيت على المؤلف أن يترجم تلك الوثائق الى اللغة العربية، على الرغم من يقيني ان كل وثيقة تحتاج الى وقت ليس بالقصير لترجمتها، ولكنه امر مهم، اتمنى ان يتلافاه عند اعادة طبعه.
اما الصور فانه إختارها من آرشيف إرسيكا (مجموعة يلدز والبومات السلطان عبدالحميد الثاني ) فضلا عن صور أخذت من مجلات عثمانية مختلفة.
وحتى يسّهل على القراء والباحثين الاطلاع على ما يريدون عمل كشافا تفصيليا عاما في نهاية الكتاب، ضم اماكن ومؤسسات تعليمية واعلاما ومصطلحات متعددة.
ولا ننسى ان الدكتور فاضل بيات، كما يحلو له ان يكتب اسمه على كتبه، على الرغم من ان اسمه الكامل فاضل مهدي محمد علي بيات، قد إعتمد على مصادر أساسية مثل السالنامات العثمانية بكل انواعها وسير حياة الوزراء والانظمة والتعليمات والقرارات المتعلقة بالمؤسسات التعليمية والثقافية، ولم يغفل مراجعة مفردات المواد الدراسية المقررة في المراحل الدراسية كافة وبكل انواعها، ناهيك بالجداول الإحصائية الخاصة بوزارة (نظارة) المعارف والمؤسسات التعليمية في الولايات العثمانية. وكم تمنيت عليه اثناء عمله الكتاب وانا اتابعه ان يدون شيئا عن طبيعة المناهج الدراسية ومضمونها لما لها من اهمية في تسليط الضوء على اهداف تلك المناهج من خلال مفرداتها.
والان سأسلط بعض الاضواء على ما يخص المؤسسات التعليمية العثمانية في الولايات بغداد والموصل والبصرة والتي وردت في الكتاب.
فقد خصص الفصل الاول على الملامح العامة للتعليم في الدولة العثمانية، ركز فيه على امور في غاية الاهمية وتطرق الى السياسة العثمانية اولا والى طبيعة السكان ومستواهم الاجتماعي والاقتصادي وشروط القبول في المدارس وسكن الطلاب في الاقسام الداخلية والحث على السلوك الحسن ولغة التدريس وتدريس اللغات في المدارس، وموقف الاهالي من الدراسة بالمدارس وتفاوت نسب الراغبين بها وإحجام الاهالي عن إدخال بناتهم في المدارس، والطلاب غير المسلمين والاجانب في المدارس الحكومية. وانهى الفصل بمعلومات عن تلقي الطلاب المسلمين التعليم في المدارس الاجنبية داخل الدولة ومدارس الطوائف غير الاسلامية وموقف الدولة منها.
كما سلط الفصل الثاني الضوء على ادارة المؤسسات التعليمية في الولايات سواء مديريات المعارف ومجالس المعارف في الولايات وخدمات التفتيش في المؤسسات التعليمية وادارة المعارف في الولايات العربية العثمانية.
ومن يطلع على انواع المدارس في الولايات العراقية الثلاث ( بغداد والموصل والبصرة) يعرف حقيقة ومستوى التعليم في العراق حتى نهاية الدولة العثمانية وانسحابها من العراق نهائيا عام 1918.
خصص المؤلف الفصل الثالث للحديث عن مدارس الصبيان والمدارس الابتدائية، والفصل الرابع للمدارس الرشدية ونجد فيهما معلومات وافية عن ولايتي بغداد والموصل والمدارس الرشدية للبنات في بغداد والموصل والفصل الخامس للمدارس الاعدادية ومنها ما توزعت على مدن الموصل والسليمانية وكركوك والبصرة فضلا عن بغداد، اما الفصل السادس فقد تناول فيه المدارس السلطانية ومنها ما توزعت في بغداد وكركوك والبصرة. وتوزعت مدارس الصنايع (المهنية)، على بغداد والموصل وكركوك، وهناك دور الايتام في بغداد ومدرسة الاتحاد والترقي الابتدائية في الموصل ناهيك بمدرسة خاصة بمديري النواحي كان مقرها في بغداد، هذا ما تضمنه الفصل السابع.
وعن مؤسسات التعليم العالي، كما اسماها، التي تضمنها الفصل الثامن، فتوقف عند دار للمعلمين في كل من بغداد والموصل والبصرة ومدرسة الحقوق في بغداد وكلية الامام الاعظم في بغداد.
وعن المدارس العسكرية ومدارس الشرطة فقد كانت المدرسة الحربية السلطانية في بغداد والمدرسة الاعدادية العسكرية في بغداد والمدرسة الرشدية العسكرية في كل من بغداد والسليمانية ومدرسة نواب الضباط في بغداد ومدرسة الشرطة ببغداد وهذا ما ضمه الفصل التاسع.
وتوزعت المدارس التقليدية الاسلامية في ولايات بغداد والموصل والبصرة وهو ما فصله الفصل العاشر، اما المدارس الخاصة غير الرسمية للمسلمين فقد توزعت هي الاخرى بين الولايات الثلاث، أما الفصل الثاني عشر فقد خصصه لمدارس الطوائف غير الاسلامية والتي توزعت هي الاخرى على ولايات بغداد والموصل والبصرة.
وأخيرا خصص الفصل الاخير للمدارس الاجنبية في ولايات بغداد والموصل والبصرة، علما ان تلك المدارس توزعت على مدارس فرنسية وانكليزية وروسية وايطالية وأمريكية وألمانية.
ولا يسعني في  نهاية هذا العرض الا ان اشيد بجهد المؤلف وبهذا العمل الضخم الذي يستحق عليه كل الشكر والعرفان.

 

 





عدد المشاركات:1    

   مشاركات القراء

 

خالد الراوي
اضيف بتاريخ, Thursday, October 31, 2013
العراق

شكرا لكم في انقل العلم وزياده المعرفه نسال الله لكم الخير والعلم



   
 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com